أيمن حجازي

في سجل المواجهة السياسية المرتبطة بتشكيل الحكومة وعقدها، باتت القضية وكأنها في طور التنازع بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري، وقد أخذ كل واحد منهما جانب حلفائه السابقين أو الحاليين. فالرئيس عون والتيار الوطني الحر يقفان الى جانب احتلال اﻷمير طلال أرسلان أحد المقاعد الوزارية الدرزية الثلاث في أية حكومة ثلاثينية مفترضة، فيما يتفهم الرئيس سعد الحريري مطالبة الحزب التقدمي اﻻشتراكي بثلاثة مقاعد وزارية حتى لو لم تكن هذه المقاعد درزية بالكامل. وفي موازاة ذلك، يبدو الرئيس الحريري أيضاً متفهماً لمطالبة حزب القوات اللبنانية بالحصول على حصة وزارية أثقل من حصتها الحالية بعد أن تضاعف عدد نواب الكتلة النيابية لهذا الحزب في اﻻنتخابات النيابية اﻷخيرة، فيما يرى التيار الوطني الحر والرئيس عون أن مطالب حزب القوات اللبنانية مبالغ فيها.
 وتبقى العقدة الثالثة المتعلقة بتمثيل النواب السنة الذين ﻻ ينتمون الى تيار المستقبل وﻻ يخفي التيار الوطني الحر ميله الى تمثيلهم في الحكومة المقبلة. وقد بات واضحاً أن الرئيس الحريري ﻻ يمانع في تمثيل هؤﻻء من حصة رئيس الجمهورية، على قاعدة أن معظم هؤﻻء مستعارين من كتل نيابية أخرى أو رافضين لانضواء في كتلة نيابية معارضة أو ذو طابع مذهبي. وتأسيساً على كل ذلك، بدأت أوساط سياسية من داخل التيار الوطني الحر تعزف على وتر موقف الرئيس الحريري الذي يراد تحميله مسؤولية التأخر في تشكيل الحكومة وفي اعطاء المسألة بعداً إقليمياً سعودياً بعيداً عن اﻻعتبارات السياسية المحلية التي تدفع الرئيس الحريري الى الوقوف الى جانب وليد جنبلاط وسمير جعجع في موضوع التشكيل الحكومي كي ﻻ تولد الحكومة باختلال فاضح في ميزان القوى لغير مصلحة القوى السياسية التي كانت منضوية في اطار معسكر الرابع عشر من آذار. ولكن كل ذلك لم يستفز الرئيس سعد الحريري الذي بقي على هدوئه وقام بزيارة قصر بعبدا، مؤكداً في أكثر من موقف إعلامي نفيه القاطع للخلاف مع رئيس الجمهورية، ونفيه الباتّ ﻷي خلاف مستحكم مع رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية جبران باسيل. ﻻ بل انه أعرب عن تفاؤله بإمكان إعلان التشكيلة الحكومية خلال أسبوع أو أسبوعين. 
 يستند الرئيس الحريري في هدوئه واطمئنانه الى ثلاثة عوامل:
- وجود مظلة دولية واقليمية لدوره السياسي على الساحة اللبنانية كان من أبرزها اﻻهتمام الروسي في شرح ما اتُّفق عليه في قمة هلسنكي بين الرئيسين اﻷميركي والروسي حول اﻷزمة السورية واعادة النازحين السوريين إلى بلادهم. 
- اقتناع الرئيس ميشال عون والوزير جبران باسيل بعدم جدية أي خيار سنّي آخر غير الرئيس الحريري لتولي مهمات رئاسة الحكومة إﻻ إذا كان المطلوب تشكيل حكومة ضيقة ﻻ تتلاءم مع مع تطلعات الرئيس عون القوية في السياسة وفي التمثيل السياسي.
- اقتناع الجميع بأن ﻻ مخرج دستورياً لمعضلة سحب التكليف من رئيس للحكومة يُكلَّف بذلك، حتى لو حاول البعض الغمز من قناة عدم صدور مرسوم تكليف الرئيس سعد الحريري على ما جرت عليه العادة. وبالتالي فإن موقف الرئيس الحريري قوي جداً من الناحية الدستورية. 
 ساعتئذ يمكننا أن نفهم أسباب برودة أعصاب الرئيس سعد الحريري في مواجهة كل ما قيل ويقال حيال تكليفة رئاسة الحكومة. وها هو دولة الرئيس ﻻ يعدل في جدول أعماله شيئا بما فيه اجازاته العائلية في مدريد وغيرها من العواصم اﻷوروبية القريبة من حوض المتوسط (كالعاصمة اﻻسبانية) مدريد أو البعيدة عنه (كالعاصمة الروسية موسكو).