وجهة نظر

أكذوبة السلطة والمعارضة
12/01/2018 - أيمن حجازي

السلطة والمعارضة ثنائية قائمة في اﻷنظمة الديموقراطية واﻻستبدادية على حد سواء، حيث تتحرك هذه الثنائية في الدول الديموقراطية وفق منطق تداول السلطة والمساواة في الحقوق والواجبات بين طرفي هذه الثنائية . أما في اﻷنظمة الاستبدادية فان العﻻقة بين طرفي هذه الثنائية سيئة ورديئة ودموية في بعض اﻷحيان مع كل مستلزمات اﻻستبداد التي تلغي الحريات السياسية والإعلامية واﻻجتماعية والثقافية. وبما أن النظام السياسي في لبنان هجين ومتداخل بين الديموقراطية الجزئية و اﻻستبداد النسبي، وبين البرلمانية والرئاسية على مستوى القانون الدستوري وفي كثير من المناحي اﻷخرى فإن مفهوم السلطة والمعارضة يتعرض لعملية تشويه وتخريب متعمدين من قبل الكثير من القوى واﻷحزاب التي ترغب في تقمص دور المعارضة أو التي تحاول التحلل من تبعات الدور الذي تقوم به في السلطة. 
 وقد ترتب على كل ذلك أحاديث وشعارات متعالية في السياسة والإعلام ﻻ تنسجم مع الواقع بأي حال من اﻷحوال، حيث يعمد البعض الى وضع نفسه في مصاف المعارضة المناضلة والمكافحة من أجل المطالبة بحقوق الجماهير وذلك بشكل معاكس للحقائق التي تقول أن بعض هذه القوى نشأت في منابت السلطة وعاشت في جزء كبير من تاريخها السياسي في مواقع السلطة. وعندما نستمع الى هيئات المجتمع المدني التي يرفع معظمها شعارات المعارضة ورايات المواجهة مع السلطة، فإننا ﻻ ندري أي سلطة يقصدون. هل هي السلطة المتآلفة بين خليط من القوى والجهات واﻻتجاهات واﻻمتدادات الخارجية المعروفة، والقادر كل طرف من أطرافها على التملص من موجبات مشاركته في الحكومات المتوالية ملقياً الحمل عل أطراف أخرى مشاركة في هذه الحكومة أو تلك. أم هي السلطة التي تتلاعب وتمد أصابعها إلى ما يسمى هيئات المجتمع المدني ليصبح كل طرف من أطراف السلطة الكبار مالكاً لفصيل من فصائل المجتمع المدني. ما يجعل هذا الطرف أو ذاك مؤهﻻ للعب دورين متوازيين في السلطة والمعارضة. أم هي السلطة التي ﻻتملك من أمرها شيئا فتصبح الطرف اﻷضعف في لعبة السلطة حيث تلقى عليها تبعات العمل الحكومي وكل تقصير أو خلل يطرأ على الحياة اﻻجتماعية والسياسية واﻻقتصادية و... وتستمر هذه الدوامة التي تشهد بشكل دائم عمليات تبادل للأدوار  المعارضة أو السلطوية... فيصبح عندنا على سبيل المثال سلطة كهربائية مملوكة من قبل «التيار الوطني الحر» ومعارضة مدنية وعمالية يمسك بها أنصار الرئيس نبيه بري وحركة أمل. ويصبح وزير النازحين معين المرعبي هو المعارض اﻷكبر الذي ينزل الى الميدان النضالي الشعبي في عكار ويكسر أقفال شركة الكهرباء هناك ويعيد التيار الكهربائي بكل حمية وأنفة وكبرياء انتخابي متألق... لتتولد اثر ذلك أكذوبة السلطة والمعارضة المتداخلة التي ﻻ يعرف خيطها اﻷبيض من خيطها اﻷسود حتى لو سطع ضوء الشمس.
وقد يرغب البعض في تقمص الدور المعارض استناداً الى القوة الشعبية واﻻنتخابية التي يمكن أن يسعى اليها هذا الطرف السياسي أو ذاك. وتلك حقيقة قديمة بالية حلت محلها في لبنان كجاذب للقدرة على استمالة الجماهير بالقدرة على تأمين الخدمات وعلى حما ية العصب الطائفي والمذهبي. والجماهير هنا ليست موحدة أبدا فهي جماهير التنوع الطائفي والمذهبي والمناطقي التي أفلح زعماؤنا وسياسيونا على استبدال الهموم المشتركة الواسعة لهذه الجماهير بالهموم الضيقة والمنغلقة التي تكاد تخنق أي اعتبار وطني شامل ويضعفه ويزيل تأثيره من الواقع السياسي القائم.
 سيشهد علم السياسة في تاريخه الحديث تحطماً هائلاً لبعض المفاهيم السياسية التقليدية وفي مقدمها مفهومي السلطة والمعارضة، حيث الغلبة ستكون حتماً لاستيلاد مفاهيم خلاسية تسووية متداخلة على قياس التسوية التاريخية التي أنشأت الكيان الوطني اللبناني الحبيب. ودمتم أجمعين.