كلمة طيبة

«نار وغضب» الكتاب الذي عرّى ترامب
12/01/2018 - توفيق بوعشرين

لكل رئيس أميركي كتاب يزعجه في سنته الأولى، أو الأخيرة، لكن كتاب دونالد ترامب كان مدمراً إلى درجةٍ لم يتصوّرها أكثر الحاقدين على رئيس جاء من خارج التقاليد الجمهورية، لكي يعبث في البيت الأبيض، ويحول مغامرة شخصية له إلى كابوس لأميركا وللعالم «نار وغضب..» أكثر من كتابٍ يعرّي مطبخ القرار في البيت الأبيض. إنه رصاصة خرجت من مسدس مايكل وولف، ولن ترجع أبداً من دون أن تحدث أضراراً خطيرة. 
مرشّح للرئاسة في أميركا ملياردير يتبجح بثروته، لكنه يرفض أن يصرف دولاراً واحداً على حملته الانتخابية، وحتى عندما تفرغ جيوب الحملة من المال، فإن ترامب يُقرض خزينة حملته، ولا يتبرع بدولار واحد. مرشّح كان آخر واحد في طاقم الحملة يعتقد في إمكانية فوزه في السباق نحو البيت الأبيض، وأقصى طموحه كان بعد نهاية الحملة الانتخابية الأطول في العالم، أن يصبح مشهوراً أكثر داخل أميركا وخارجها ليجني مالاً أوفر. ابنته إيفانكا وزوجها كوشنير كانا يطمحان، من وراء الظهور خلف مرشح البيت الأبيض وأمام الكاميرات طوال زمن الحملة، أن يصيرا نجمين بهدف تسويق ماركات تجارية عالمية. زوجة ترامب ميلانيا بكت ليلة إعلان فوزه، ليس فرحاً، بل رعباً من شخصٍ مريض ستزيده السلطة مرضاً وغطرسة وقوة… هذه هي أجواء الحياة الداخلية التي نقلها مؤلف كتاب «نار وغضب» نقلاً عن ستيف بانون، مدير حملة ترامب، وكبير الاستراتيجيين السابقين في البيت الأبيض.
حتى كتابة هذه السطور، وحده ترامب من هاجم الكتاب ومؤلفه مايكل وولف، وشنّع على صديقه القديم ستيف بانون، المصدر الأول للكتاب، لكن المؤلف قال إنه استمع إلى شهادات أكثر من مئتي شخصية من حول الرئيس، وإن أحداً من هؤلاء لم يكذِّب ما جاء في الكتاب، باستثناء المتضرر الأول منه، أي ترامب، وهذا مفهوم. وشبّه وولف كتابه بصرخة ذلك الطفل في الأسطورة المعروفة عن القيصر عندما قال: «إن القيصر يمشي عارياً»، وكان الجميع يعرف ذلك، لكن الخوف منع الناس من الكلام، وبدل مصارحة القيصر بعورته، كانوا يمدحون لباسه غير الموجود، حتى جاء طفلٌ وألقى كلمته، بعدها لم يعد أحد قادراً على مجاراة النفاق الذي كان سائداً.
لم يكشف مؤلف «نار وغضب» فقط أسرار بيت رئيسٍ مثير للجدل، ولا كواليس إدارة فوضوية ليس لها برنامج ولا بوصلة لإدارة شؤون الدولة، وإنما ذهب الكتاب أيضاً، إلى التشكيك في قدرة الرئيس العقلية، واتهمه بعدم الكفاءة والعجرفة، والجهل بالملفات المعقدة الموضوعة فوق مكتبه. وهذا ما يدفعه إلى التسّرع في اتخاذ القرارات، مثل نقل سفارة الولايات المتحدة في تل أبيب إلى القدس، من دون حساب التداعيات التي سيخلفها، والاتصال بالروس في أثناء الحملة الانتخابية، ومنع مواطني تسع دول من دخول أميركا دفعة واحدة، وغيرها من قراراتٍ يعجز العقل السياسي عن فهمها.
في عشرات المقابلات التي أجراها وولف، واعتمد عليها لنسج خيوط الرواية الأكثر خطورة على رأس ترامب، تفاصيل تخص العالم العربي الذي لا يرى فيه ترامب سوى إسرائيل والسعودية ومصر وإيران، وأن على القوى الثلاث الأولى، حسب اعتقاده، أن تتحالف مع بعضها بعضاً ضد القوة الرابعة. ولا مانع من تصفية فلسطين على الطريقة التي يتداولها المقرّبون من ترامب: الضفة الغربية تأخذها الأردن، وقطاع غزة يعود إلى مصر، ودع الجميع يتحملون مسؤولياتهم.. إن نجحوا نجحنا، وإن غرقوا يغرقون وحدهم. المهم هو الصفقات الناجحة، وتوفير فرص العمل في الداخل، وتقليل مصروفات أميركا على الأمم المتحدة ووكالاتها.
يوم صدر كتاب «حروب بوش»، للصحافي الأميركي بوب ودوورد، علق الناطق الرسمي للبيت الأبيض على ما جاء فيه من أسرار وخبايا بالقول: «الكتاب مثل قطعة سكر حلوة، لكنها سرعان ما تذوب في كأس ماء ساخن». أما «نار وغضب» فقد مر إلى درجةٍ يصعب بلعه أو غض الطرف عنه. إنه أول وثيقة في ملف إطاحة دونالد ترامب، إن لم يكن قانونياً، فأخلاقياً على أقل تقدير. قد تخطئ أميركا في انتخاب رئيس، لكنها لا تتقاعس في فضحه، وربما إسقاطه.}