كلمة طيبة

فئران القضيّة!
22/12/2017 - د. ديمة طارق طهبوب

جملة واحدة حفظناها يوم كنا صغاراً: فلسطين حرة من البحر الى النهر قبل ان نعرف ماهية فلسطين وخرائطها، حفظنا درس القلب والذاكرة قبل درس الجغرافيا، ونسجنا وطناً من صور ورموز، ففي يافا كان برتقالها، وعكا لا تخاف، لذا جاورت البحر وكسرت جيش نابليون، وحدثونا عن الجنان الغناء في مرج بني عامر، وعن القرى الصغيرة قبل المدن، وعن مواسم الحصاد والأفراح وعن الذين قضوا وأوصوا بعودة رفاتهم، وعن المفاتيح وعن وعن وعن، متون وروايات ممتدة ومتوارثة مهما تغير أصحاب السند.
في الصغر كان الوطن شيئاً لا يفسر كرعشة المحب اذا لاقى، وكرجفة المحموم اذا فارق، وكفرح الأم اذا احتضنت وليدها.  في تلك الايام كان الوطن كاملاً برغم احتلاله، طاهراً لا تدنسه نجاسة عارضة، لا يخضع للحسابات مهما كانت الوقائع على الأرض.
بهذا الحلم والإيمان تسلح المقاومون، وطلبوا الشهادة وهم يقدمون الأغلى زرافات ووحداناً، مؤمنون أن لا قليل في جنب الوطن، وأن تتابع الضربات يجندل أعتى الخصوم. فهل دافع من دافع وقاتل ومن قاتل وأُسر من أُسر وضحى من ضحى من أجل أرباع وأثلاث؟ هل بذلوا أرواحهم الزكية من أجل حدود الرابع من حزيران أو الضفة الغربية او غزة وأريحا أولاً أو القدس الشرقية فقط؟ هل قدموا الفداء الأخير والأعظم من أجل شرعنة الكيان المحتل وانشاء دولة لهم والاعتراف بالأمر الواقع؟ 
لقد قضم الساسة والمتآمرون أحلامنا بتحرير وطننا الذي فتحنا عليه عيون قلوبنا  كاملاً حراً.. سالماً منعماً وغانماً مكرماً.
لقد قضم الساسة والمتآمرون وطننا كأنه قطعة جبن تتنازعها فئران فتقضم لقمة كل فترة ولا تبقي الا فتات دويلة تريد فرضها على أصحاب الحق الكامل غير المنقوص كأفضل ما يمكن تحقيقه واسترداده!!
ومن بعد فلسطين الحرة من البحر الى النهر صارت فلسطين دولة تنتظر اعترافاً مرهوناً بقبول التجزئة والانتقاص وحتى ما ظنناه مسلمات ومقدسات كالقدس واللاجئين وحق العودة باعوه في لعبة المفاوضات وقضموا البقية الباقية من كرامة ووطن نتشبث بهما!
لقد فهمت الآن لماذا نصحنا الحديث النبوي بأن نقتل الفئران (الفويسقة) لأنها تفسد وتنشر الوباء ويشابهها في ذلك البشر؛ اذ يقومون بذات سلوكها فيفسدون كل وسط يكونون فيه ويقضمون ويلوثون وينتقصون ويغيّرون أصل الأشياء.
ان الخطورة في القبول بأنصاف الحلول يكمن في نسيان الحق وتجزئته والمساومة عليه، حتى لا يبقى للاجيال القادمة شيء يتذكرونه او يتمسكون به فيقبلون بمسخ الحقوق والأوطان وجوار عدوّ لن يرضى الا بزوالنا التام! ان انصاف الحلول قد تصبح كل الهزائم.
فليفاوض من يفاوض، وليهادن من يهادن، وليعقدوا الصفقات والتسويات والتصفيات، ولكن ليعلموا انهم لا يقومون بذلك باسم الأغلبية، الأغلبية التي تحلم بالقدس ويافا وحيفا وعكا وتل الربيع، بقدر نابلس والخليل وبقية مدن فلسطين وتعرف طريقاً واحداً لاستردادها كتبه غسان كنفاني بحبره ثم بدمه يوم عاد ببطل قصته (عائد الى حيفا) الى بيته التي تقطنه المرأة الصهيونية التي استولت عليه وعلى ابنه وقال لهما: «تستطيعان البقاء مؤقتاً في بيتنا، فذلك شيء تحتاج تسويته الى حرب»، بها نسترد أحلامنا وبها نحوّلها الى واقع.. وما بين الحلم والواقع ارادة الثبات على المبادئ مهما طال الزمن، وزمن الظلم لا يطول.}