العدد 1411 / 29-4-2020

د. وائل نجم

يمرّ لبنان هذه الأيام في مرحلة تكاد تكون من أصعب المراحل والأوقات التي مرّت عليه وعلى شعبه في تاريخهم الحديث، فالبلد خاضع من ناحية لما سُمّي حالة التعبئة العامة، أو بالمعنى الأدق شبه حالة الطوارىء حيث الإقفال شبه التام لكل المرافق، ومن ناحية ثانية للأزمة الحياتية المعيشية الآخذة بالتفاقم والازدياد مع غياب أي مشروع حقيقي وجدّي للخروج من الأزمة الاقتصادية. ويدفع اللبنانيون ثمن هذه المعادلة القائمة حالياً حيث يعيشون في الحجر المنزلي من جهة، والقلق على المستقبل من جهة أخرى، فيما السلطة التي من المفترض أن تقدّم الحلول وتخفّف من الأعباء غير عابئة بما يجري للبلاد والعباد، اللهمّ إلا في الموضوع الصحي الذي أخذت فيه إجراءات وقائية مقبولة ومشهودة بعدما كانت قد تراخت وتساهلت في بداية اكتشاف الوباء الذي ضرب لبنان كما دول العالم.

قبل أيام لجأت الحكومة إلى تجديد العمل بقرار التعبئة العامة الذي يعطّل العباد والبلاد ويحجرهم في منازلهم تحت عنوان منع "فيروس كورونا" من الانتشار، وهي المرّة الثالثة التي تمدّد فيها الحكومة العمل بهذا القرار من دون معرفة أفق المرحلة المقبلة سوى الحديث عن خمس مراحل لإعادة الوضع إلى طبيعته. غير أنّ هذا القرار لم يلحظ انعكاسات التعبئة على الوضع الاقتصادي والحياتي للناس في بلد يعاني أساساً من أزمة اقتصادية مزمنة، وهو ما دفع الناس، خلال الأيام القليلة الماضية، إلى العودة إلى التحركات المطلبية في الشارع، وبشكل عنيف، رفضاً للحكومة، ورفضاً للطبقة السياسية التي لم تكترث لما يصيب البلد من أزمات.

وقبل أيام أيضاً شهد اللبنانيون مهزلة من العيار الثقيل عندما تابعوا جلسة تشريعية للمجلس النيابي (الثلاثاء والأربعاء 21 و22 نيسان) رفضت فيها أغلب الكتل النيابية تشريع القوانين التي تضع حدّاً للفساد المستشري، وللتهرّب الضريبي والتهريب، ولنظام المحاصصة والزبائنية، ولرفع الغطاء عن أي مرتكب، ولكل ما من شأنه أن يستعيد ثقة اللبنانيين بالدولة والمؤسسات، بل على العكس من ذلك ذهب النوّاب إلى تشريع زراعة الحشيشة (مادة مخدّرة) تحت عنوان الحاجة الطبيّة، ورفضوا إقرار أي قانون لمحاسبة الرؤساء والوزراء أو يستعيد الأموال المنهوبة من الدولة. وقد جرى كل ذلك طبعاً انطلاقاً من زاوية كل مصلحة لكل طرف أو فريق سياسي مشارك بالسلطة أو حتى خارجها. والأنكى من كل ذلك، لم يلتفت أولئك لا إلى مضاعفات وباء كورونا اجتماعياً واقتصاديا وسياسياً، ولا إلى الأزمة المستفحلة في ظل غرق لبنان بالديون والمستحقات المالية التي تخلّف عن دفعها، ولا إلى انشغال العالم بحاله وعدم اكتراثه بما يجري في لبنان أو حتى في المنطقة في ظل وباء كورونا الضاغط عالمياً. بل على العكس أثاروا من جديد انقساماتهم وخلافاتهم المصلحية والخاصة، وتبادلوا الاتهامات عن كل هذا الوضع القائم، ومن دون تقديم أية حلول تذكر.

لقد انعكس كل هذا الواقع معركة سياسية بين القوى القائمة، التي يبدو أنها أعادت إنتاج التحالفات القديمة، واستعملت في خلافاتها ما يحقق طموحها في كسر الآخر أو الاستئثار بالبلد، وقد انعكس ذلك ارتفاعاً جنونياً في سعر العملات الأجنبية في مقابل الليرة اللبنانية ما أفقدها قيمتها الشرائية وبالتالي وضع المواطن اللبناني أمام تحدّ جديد وكبير في تأمين لقمة عيشه اليومية مع الارتفاع الجنوني للأسعار، وهكذا بات لبنان واللبنانيون يترنّحون بين الهرب من الإصابة بوباء كورونا المستجد والخضوع للحجر المنزلي، وبين الاكتواء بنار الغلاء وعدم تأمين لقمة العيش، ليضعهم ذلك على سكّة ثورة حقيقة وجدّية بدأت شعلتها خلال اليومين الماضيين، ولكن الإشكالية تكمن فيما لو خرجت الأمور عن طبيعتها إلى غير المألوف وإن كان ذلك سيُسمّى الحرب الأهلية.