العدد 1366 / 19-6-2019
الدكتور وائل نجم

الدكتور وائل نجم

مساء يوم الاثنين أعلنت السلطات المصرية نبأ وفاة الرئيس المصري الشرعي المنتخب محمد مرسي أثناء مثوله أمام المحكمة في القاهرة، وبعد مطالعة قدّمها أمام هيئة المحكمة لعدة دقائق. المؤسف أن القضاء المصري وضع حادثة الوفاة في السياق الطبيعي، مع أن الرئيس مرسي شكا، وفق محاميه، من مخاطر تتهدّد حياته أثناء اعتقاله في السجن، خاصة في الفترة الأخيرة، حيث كان يتخوّف من تسميمه وقتله بطريقة من الطرق، ومع ذلك فقد أعلنت النيابة العامة المصرية أن الكشف على الجثمان أكد أنه لم يتعرّض لأي شيء، فيما كان المطلوب الكشف عن طبيعة الوفاة، وإجراء تحقيق يشخّص وضع الجسد من داخله وإذا ما كان قد تعرّض لأي شكل من أشكال التسميم. ولم يكتف القضاء بهذا الإجراء، إنما استعجل عملية إجراء الدفن في ظلمة الليل، فاختار وقت الفجر ليقوم بدفن الجسد في مقبرة شرقي القاهرة، ومن دون مراسم تليق بالرؤساء المنتخبين، أو بحضور شعبي وقد حصل الرئيس الشهيد على أصوات أكثر من خمسة وعشرين مليون مصري في الانتخابات التي أهّلته ليكون الرئيس المصري المدني الوحيد الذي يصل إلى سدة الرئاسة عبر انتخابات ديمقراطية شفافة ونزيهة، فلم يحترم القضاء المصري، ولا السلطة خيار هؤلاء ولم يسمحوا لهم أو للحد الأدنى منهم بإلقاء نظرة الوداع أو تحية الوداع على رئيسهم الذي اختاروه بملء إرادتهم.

عملية الوفاة وما سبقها وما تزامن معها وما تلاها أرخى بظلال كبيرة من الشكّ عليها، ودفع منظمات حقوقية دولية وكبرى للمطالبة بفتح تحقيق مستقل وشفاف يكشف ملابسات الوفاة، لأن المسألة فيها من الشكّ والظن، بل ربما اليقين، ما يشير إلى تورط في عملية التخلّص من الرئيس الشرعي المنتخب، عبر عملية قتل بطيئة جرت من خلال استنزاف الرئيس تدريجياً وترك المجال للمرض يفتك به ويأكل جسده من دون عناية أو رعاية طبية مقبولة، وهذا كلّه يقع ضمن الجريمة المنظمة التي يعاقب عليها القانون، حتى لو كانت مع شخص عادي، فكيف إذا اتصل الموضوع برئيس منتخب لدولة كبرى حكم فيها عاماً كاملاً؟!

بالطبع هذا يضع السلطة في موضع الاتهام حتى تثبت براءتها من خلال القبول بتحقيق مستقل وشفاف يحمّل أي مسؤول مسؤوليته عمّا جرى، وربما لا يصل أي متابع ومهتم بهذه القضية إلى نتيجة بسبب تعنّت السلطة ورفضها لأي تعاون في هذا المجال تحت العنوان السيادي، ولأنها تدرك أن أي تحقيق من هذا القبيل قد يكشف الكثير من الأسرار التي تلت الانقلاب الذي حصل في تموز من العام2013 وما تلا تلك المرحلة. ولكن المسألة الأخرى التي لا تقلّ أهمية وخطورة تكمن في أن المجتمع الدولي، خاصة ذاك الذي يردد دائماً ويعلي من قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وما سوى ذلك من قيم ، غاب كلياً للمرّة الثانية عن حادثة ومأساة تمسّ صميم هذه القيم، وتضربها في عمقها وتقضي عليها.

في المرّة الأولى سدّ المجتمع الدولي الذي يعلي قيم الحرية وحقوق الإنسان آذانه عن الانقلاب العسكري الذي أطاح بأول رئيس مدني منتخب، بل أطاح بالمسار الديمقراطي الذي سلكته الشعوب العربية بعد انطلاق ثورات الشعوب، أو ما عُرف بـ "الربيع العربي". فغض المجتمع الدولي "الديمقراطي الحر" الطرف عن إطاحة العسكر بالمسار الديمقراطي والرئيس، ولم يحرّك ساكناً على ذلك مقدّما بذلك مصالحه على قيمه التي ينادي بها. ثمّ إن هذا المجمتع سكت ولاذ بالصمت عندما لجأ العسكر إلى العنف والأدوات العسكرية من أجل فضّ اعتصام مدني أعزل لقطاع كبير من الشعب المصري. لقد شاهد المجتمع الدولي الذي يعلي قيم وحقوق الانسان ما جرى للإنسان المصري في اعتصام رابعة العدوية ونهضة مصر، شاهد كيف قتل الناس العزّل بدم بارد وبالرصاص الحي وبتجريف الخيم، ومع ذلك لم يحرّك ساكناً على هذا الفعل مع أنه كان يملك الكثير الكثير لمنع ذلك وللحفاظ على حقوق الانسان وقيمته، لكنه فضّل مصالحه مرّة أخرى على قيمه، لأنه كان يدرك أن نهضة مصر مع الرئيس محمد مرسي ليست في صالح هذا العالم والمجتمع المتوحّش الذي يريد الهيمنة على كل شيء، ويريد أن يبقي على شعوب هذه المنطقة تبعاً له، فضلاً عن الاستئثار بمقدراتهم وخيراتهم وأموالهم، فيما كان شعار الرئيس مرسي يتلخّص في أن تمتلك الأمة غذاءها ودواءها وسلاحها وقرارها، في حين أن سجانيه لم ولن يعنيهم هذا الأمر كثيراً، فسقط هذا المجتمع في الامتحان الثاني، وسقطت معه تلك القيم التي ينادي بها.

وها هي هذه القيم وتسقط مرة أخرة وجديدة مع وفاة الرئيس مرسي، بغض النظر عن ظروف الوفاة. لم نسمع تعليقاً واحداً من هذا المجتمع وأنظمته يدين طريقة تعامل السلطة مع معتقل رأي ورئيس منتخب، فضلاً عن أن يطالب بحق من حقوق هذا الانسان الرئيس وقد شكا مرات ومرات من مخاوف من التخلّص منه. أين هذا المجتمع من هذا الذي جرى؟ وكيف لنا بعد اليوم أن نثق بقيمه وما يحدثنا عنه؟ كيف لنا أن نصدّق أنه يريد أن يعمم حقوق الانسان ويحفظ كرامته؟ لقد بات من الواضح أن هذا المجتمع يقدّم قيمه عندما يتعلق الأمر بمصالحه، فإذا ما تعارضت تلك القيم مع المصالح فلتتحوّل تلك القيم عندها إلى صنم من تمر يُأكل إذا دعت الحاجة.

هذا المجتمع الدولي، وقواه الفاعلة والممسكة بتلابيب المؤسسات الدولية والأممية، يتعامل مع العالم من حوله وفق هذه المصالح، وآن للعالم الحر أن يعمل من أجل إقامة منظومة عدل حقيقية تشعر الانسان بأنه المخلوق المكرّم فعلاً على وجه الأرض.

أخيراً , لقد شكّل استشهاد الرئيس محمد مرسي مرّة جديدة شهادة مدوّية على سقوط قيم المجتمع الدولي، وستشكل بداية لنهوض جديد من الكبوة التي أرادوها للأمة سباتاً عميقاً لا ينتهي.