كلمة الأمان

حقوق أمّ الصبي بين تصريح عون وخطاب الحريري
16/02/2017

على الرغم من اتهامات الفشل التي توجه الى القوى السياسية اللبنانية، فقد أثبتت خلال الأشهر الثلاثة الماضية أنها تستطيع تجاوز أخطر المحطات والمطبات التي أريد منها تعطيل الحياة السياسية والعودة بالبلد إلى ما يشبه الحرب الأهلية التي عانى منها سنين طويلة. فقد جرى انتخاب رئيس للجمهورية بعد شغور استمر قرابة ثلاثين شهراً، وتكليف رئيس للحكومة بعدما طال أمد حكومة الرئيس تمام سلام، كما جرى تشكيل حكومة ضمّت معظم القوى السياسية. وخلال الأسبوع الماضي تجاوزت الدولة اللبنانية استحقاقاً بالغ الأهمية، تجسد في الكلام الذي أدلى به رئيس الجمهورية (ميشال عون) خلال مقابلة صحفية مع محطة (سي بي سي) المصرية قبيل زيارته للقاهرة، والرد الذي صدر عن رئيس الحكومة (سعد الحريري) خلال خطابه في مناسبة الذكرى السنوية الثانية عشرة لاغتيال والده الرئيس رفيق الحريري يوم 14 شباط 2005.
بإمكان المراقبين أن يصفوا كلام الرئيس عون عن سلاح حزب الله أنه مجرد زلة قدم أو زلة لسان، لكن فريق العمل الإعلامي المرافق للرئيس عون يؤكد أن تصريحاته ومقابلاته مدروسة، ويجري تجهيزها والإشراف عليها بدقة وعناية، لذلك فهي تسديد دفعة من الحساب الذي سلّفه حزب الله للعماد عون، حين جعل منه المرشح الوحيد للرئاسة، وأن أي كلام في الانتخابات الرئاسية ينبغي أن يمرّ بالرابية. لكن حديث الرئيس عون في القاهرة تحديداً، وبعد الحرص الشديد على اعادة علاقات لبنان العربية، لا سيما الخليجية بعد زيارة السعودية، وقوله: «ما دام هناك أرض تحتلها إسرائيل (...) وما دام الجيش اللبناني لا يتمتع بالقوة الكافية لمواجهة إسرائيل، فنحن نشعر بضرورة وجود هذا السلاح لأنه مكمّل لعمل الجيش ولا يتعارض معه، بدليل عدم وجود مقاومة مسلحة في الحياة الداخلية اللبنانية..». قد يبدو هذا الكلام منطقياً لو أن السلاح مكمل لعمل الجيش وليس العكس، وإلا فأين نحن من أحداث 7 أيار 2008 في بيروت، وأين الضابط الطيار سامر حنا والمروحيّة العسكرية التي كان يقودها، وأين «سرايا المقاومة» المنتشرة من بيروت الى طرابلس والبقاع وبقية أنحاء لبنان؟! وإذا كان مبرّر وجود سلاح المقاومة هو أن «وجود سلاح حز ب الله مكمّل لعمل الجيش ولا يتعارض معه، وان حزب الله هو من سكان الجنوب وأهل الأرض الذين يدافعون عن أنفسهم عندما تهددهم إسرائيل أو تحاول اجتياحهم»، فماذا عن بقية أهل الجنوب، في إقليم العرقوب ومزارع شبعا وكفرشوبا، وماذا عن أهل القطاع الغربي وسكان يارين ومروحين والبستان وغيرها.. هل يتمتعون بهذا الحق في الدفاع عن أنفسهم وعن قراهم ومزارعهم؟! 
كلام رئيس الجمهورية كان يمكن أن يفجر أزمة في البلد، خاصة أن قوى سياسية لبنانية متعدّدة تصدّت لطرحه السياسي والاستراتيجي، بمن في ذلك الممثلة الشخصية للأمين العام للأمم المتحدة «سيغريد كاغ» حين قالت عبر تويتر: «انه لا سلاح خارج سلطة الدولة، وان القرار 1701 لمجلس الأمن الدولي ينص على نزع سلاح كل المجموعات المسلحة»، لكن الجميع كانوا ينتظرون خطاب رئيس الحكومة (سعد الحريري) مساء الثلاثاء، وقد طمأن المراقبين وصوله إلى قاعة الاحتفال في البيال مصطحباً سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية، مما يؤشر الى تماسك وطني وطائفي، كان كفيلاً بهزّ أركان الحكومة التي لم يمرّ على تشكيلها سوى أسابيع.
كل ما سبق لا يعني التخلي عن سلاح المقاومة أو ادانته كما ترغب الأوساط العربية والدولية، لكن المطلوب هو تشريع سلاح المقاومة لكل أبناء البلد لا سيما منهم أبناء الجنوب، دون تمييز حزبي أو طائفي.. وأن يجري من جديد طرح ومناقشة الاستراتيجية الدفاعية، التي طرحت في قصر بعبدا وجرى اعتمادها والموافقة عليها، ثم خرج منها وتخلى عنها فريق سياسي معروف.
وإذا كان الرئيس سعد الحريري حريصاً في خطابه الأخير على تأكيد الحرص على السلام الأهلي والوحدة الوطنية، حين أردف: نعم نحن أمّ الصبيّ، لكن «لسنا وحدنا أم الصبي بمعنى التنازل عن حقوقنا ودورنا السياسي.. نحن لسنا جمعية خيرية سياسية تتولى توزيع الهبات وتقديم التضحيات المجانية.. وأن قرار لبنان بيد الدولة لا بيد أفراد أو زعامات أو محاور إقليمية ودولية..».
وعلى الرغم من حرص الرئيس الحريري في خطابه على الاشادة بدور رئيس الجمهورية، فقد تجلى الموقف الشعبي والرسمي غير المرتاح لموقف الرئيس عون، من خلال عدم تجاوب المشاركين في المهرجان عند ذكر اسمه وعدم التصفيق له، عدا ممثله الرسمي في المهرجان، وزير العدل. وهذه رسالة ينبغي أن يعيها رئيس الجمهورية وفريقه السياسي، وأن يصار الى طرح موضوع الاستراتيجية الدفاعية ودور سلاح المقاومة، سواء على طاولة الحوار الوطني في قصر بعبدا أو سواه، لأن الاشكالية قائمة لدى قطاع كبير من اللبنانيين، وليس لدى الرئيس سعد الحريري وشارعه السياسي والطائفي وحده، ولا يعني ذلك زرع الألغام في طريق الانتخابات النيابية أو الوصول إلى قانون انتخابي جديد، فتلك أولويات لا ينبغي تجاوزها أو تقديم أي شأن آخر عليها. لكن ذلك لا يعني استغلال فريق من اللبنانيين تنازل الفريق الآخر وحرصه على وحدة البلد وأمنه واستقراره، باسترضاء فريق من أهل الحكم والتخلي عن الآخرين.
وقد أدرك الرئيس الحريري أن للتنازل حدوداً، وأنه قدم تنازلات جديرة بالتقدير لدى الجميع، الرأي العام اللبناني والعربي كذلك، خاصة أن البلد على أعتاب انتخابات نيابية، والشارع السياسي للرئيس الحريري بات يضيق ذرعاً بتوالي التنازلات، كما يدرك الرئيس الحريري ذلك. وأن في البلد فريقاً - أو أكثر- بات يراهن على هذا الحرص، ويدفع باتجاه استنزاف الدولة وتعطيل مؤسساتها، لأنه يستطيع أن يكون هو البديل.
وقد جرّب ذلك عدد من القوى السياسية أو الطوائف اللبنانية ،على امتداد الحروب اللبنانية خلال عشرات السنوات الماضية، لكن التجربة أثبتت للجميع أن الاستقواء بالعصب الطائفي والمذهبي، أو بالقوى الإقليمية والدولية، لا يعود على البلد وأهله ومواطنيه إلا بالخراب والتفسخ.