العدد 1335 / 31-10-2018

بعد قرابة خمسة أشهر تقريباً تمكّن الرئيس المكلّف ، سعد الحريري، تدوير أغلب زوايا المطالب والشروط التي وضعتها القوى السياسية أمامه للموافقة على منح حكومته الثقة في المجلس النيابي. لقد أراد الرئيس الحريري منذ اليوم الأول أن تكون حكومته حكومة يتمثّل فيها الجميع، أو بالأحرى أغلب وأكبر القوى السياسية حتى تبدو حكومة وطنية جامعة ، لقناعته أن لبنان يحتاج في هذه المرحلة حكومة من هذا النوع، ولا ينفعه حكومة أكثرية أيّاً كان شكلها أو لونها أو حجمها. ولذلك بادر إلى اجراء الاتصالات والمشاورات مع معظم القوى السياسية الوازنة في المجلس النيابي، وبعد هذه الشهور التي مرّت، والمساعي التي بذلت منه ومن غيره، والتنازلات التي حصلت من أكثر من طرف، عمّت الأجواء التفاؤلية أواخر الأسبوع الماضي، وكاد الجميع يحتفل بإعلان الحكومة، بعد موافقة القوات اللبنانية على الاقتراح الذي قدّمه الحريري لها لمشاركتها في حكومته، إلا أن ربع الساعة الأخير أعاد خلط الأوراق، وربما أعاد الأمور إلى المربع الأول أو نقطة الصفر.

فقد رفض حزب الله تسليم أسماء وزرائه لرئيس الحكومة إلا بعد تمثيل نواب سنّة الثامن من آذار في هذه الحكومة. وهؤلاء النواب ينتمي بعضهم أو أغلبهم إلى كتل نيابية جرت تمسية ممثلين لها في الحكومة. وهنا تمّ إعادة خلط الأوراق، فرفض الحريري ذلك، وهدّد بالاعتكاف أو حتى الاعتذار، وقال : "فتشوا عن غيري".

والحقيقة وبغض النظر عن أحقية تمثيل هؤلاء النواب من عدمه بالنظر إلى حجة كل طرف، هناك مسألة أعقد وأخطر بكثير من هذه القضية، تهدد ليس تشكيل الحكومة، ولكن تهدد الشراكة في إدارة البلد، بل تهدد البلد أيضاً.

إذا تتبّع المرء التسلسل الزمني لمسار المشاورات والاتصالات التي أجراها الرئيس المكلف، وكذلك الشروط والمطالب التي رفعتها القوى السياسية، نجد أن الجميع ودون استثناء، ولكن بنسب، أطاح النصوص الدستورية الناظمة لعمل المؤسسات، وحاول تكريس أعراف جديدة في عملية التشكيل وعمل الحكومة.

النصوص الدستورية واضحة وضوح الشمس لناحية مسؤولية الرئيس المكلف في تشكيل الحكومة بعد التشاور مع القوى النيابية دون أن تكون مشورتهم ملزمة له, وهو الذي يوزّع الحقائب الوزارية، وهو الذي يختار الوزراء ويسمّيهم، وهو الذي يقوم بالإجراءات المطلوبة في كل ذلك. إلا أننا شاهدنا تجاوزاً من كل الأطراف لهذه النصوص، وكما قلنا بنسب، وابتزازاً لرئيس الحكومة في عملية الحقائب والأسماء، حتى باتت بعض القوى السياسية شريكة شراكة كاملة معه في توزيع الحقائب، ووضع "الفيتوات"، واختيار الاسماء وما سوى ذلك، حتى أن بعضها عطّل ويعطّل تشكيل الحكومة، كما عطّل سابقاً العديد من المؤسسات الدستورية من دون أن يرفّ له جفن أو يقلق على مصالح الوطن.

والحقيقة الأخرى أننا في بلد يقوم على الشراكة وتوزيع المسؤوليات والمناصب، والدستور يحدد الصلاحيات، وبغض النظر عن صحة ذلك أو صوابيته والموقف منه، إلا أنه هو الدستور المتفق عليه، لذا فإن أي خرق لهذا الدستور، أو أية محاولة لتكريس أعراف جديدة تطيح النصوص، سواء جراء الظروف المحلية والإقليمية، أو بسبب فائض قوة، أو لأي سبب من الأسباب، فإن ذلك يطيح النصوص من ناحية ويشحن النفوس من ناحية، ويؤسس لمشاريع صراعات وحروب من ناحية ثالثة. فهل يريد البعض أن يبقي البلد في هذه الدائرة والدوّامة؟ أم أنه يريد أن يحترم الشراكة التي لا تُرضي الجميع، ولا تنصف الجميع أيضاً، لأنها ببساطة هي شراكة قائمة على التسوية.

اليوم , ما يجري بين يدي تشكيل الحكومة، هو استضعاف لموقع الرئاسة الثالثة والرئيس المكلّف، بالنظر إلى مجموعة عوامل داخلية وخارجية، وعملية ابتزاز غير مقبولة تحت أي عنوان، وخطرها أنها تطيح النصوص الدستورية لصالح إنتاج النفوس المشحونة التي يمكن أن تقلب الطاولة على الجميع عند أول مفترق.

وائل نجم