العدد 1405 / 18-3-2020

د. وائل نجم

قبل أيام قليلة قرّرت المحكمة العسكرية الدائمة إسقاط التهم بحق العميل الإسرائيلي المعروف بجزّار معتقل الخيام، عامر الفاخوري، بعد قبول دفوع شكلية تقدم بها وكلاء الفاخوري بذريعة مرور الزمن على التهم الموجهة إليه.

والمعروف أن الفاخوري كان إبّان فترة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان يعمل ضمن صفوف العملاء، وكان مسؤولاً عن معتقل الخيام الذي زجّت به قوات الاحتلال المئات من أبناء القرى الجنوبية وغيرهم بسبب أو من غير سبب، وقد مارس الفاخوري في حينه أبشع أنواع وصنوف التعذيب والاستبداد بحق المعتقلين، حتى أنّ بعضهم استشهد تحت التعذيب أو خلال فترة اعتقاله في المعتقل، وجميع المعتقلين يعرفون هذه الحقيقة، ويعرفون حجم مسؤولية الفاخوري عمّا لاقوه، ومقدار ما قدّمه من خدمات للعدو الإسرائيلي.

والمعروف أيضاَ أنّ الفاخوري فرّ في وقت سابق إلى كيان الإحتلال الاسرائيلي، ومن هناك إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث حصل على جنسيتها، من دون معرفة إذا ما كان قد أنهى ارتباطه بالمخابرات الإسرائلية أم لا، ولا حتى إذا ما كان قد دخل طوراً جديداً من التعامل من خلال العمل مع مخابرات الدولة التي منحته جنسيتها.

قبل بضعة أشهر، ومن دون معرفة الأسباب أو الخلفيات، عاد الفاخوري إلى بيروت عبر مطار رفيق الحريري الدولي، على اعتبار أنّه قد سقطت التهم الموجّهة إليه بالعمالة لصالح العدو الإسرائيلي بتقادم الزمن، حيث مرّ على ذلك أكثر من عشرين عاماً، والقانون اللبناني يُسقط التهم لأي شخص مرّ عليه مثل هذا الزمن.

غير أنّ مسألة العمالة أعادت فتح الملف من جديد، وجرى رفع دعاوى جديدة على العميل الفاخوري، وجرت حملة إعلامية منظمة وواسعة من كثير من الجهات رفضت إسقاط التهم الموجّهة له، وطالبت بإعادة محاكمته، وقد تمّ توقيفه فعلاً خلال الفترة السابقة، إلاّ أنّ المفاجأة كشفت أن دخوله أو بالأحرى عودته إلى لبنان كانت بتنسيق مع إحدى الشخصيات السياسية البارزة، التي تعمل بشكل حثيث على تبرئة العملاء وطي صفحة عمالتهم للعدو.

اليوم المحكمة العسكرية أسقطت التهم الموجّهة للفاخوري على اعتبار أنّ الزمن قد مضى عليها، وليتمّ اكتشاف مفاجأة جديدةـ، بل بالأحرى فضيحة جديدة، هي التدّخل لدى القضاء من أجل إسقاط التهم عن الفاخوري، والسماح له بمغادرة البلد إلى الخارج.

لقد أوردت الصحف أن شخصية سياسية عالية ومهمة في البلد شغلت الرأي العام والبلد طيلة السنوات الماضية تقف خلف التدّخل لدى القضاء لإبطال التهم بحق الفاخوري، بل الأنكى من ذلك جرى الحديث عن صفقة غير واضحة المعالم حتى الساعة، لكنها بين طرفين هما الحكومة اللبنانية، أو بالأحرى من يقف خلفها أو أمامها، وبين الولايات المتحدة الأمريكية.

والحقيقة أن مسألة التدخّل بالقضاء يُعدّ فضيحة مدوّية وكبيرة تضع القضاء أمام مسؤوليته، وتضع حكومة مواجهات التحدّيات واستعادة الثقة أمام مسؤوليتها، وتضع وزير العدل أمام مسؤوليتها لرفض أي تدخل بعمل القضاء ومن أية جهة كان وأيّاً كانت المسؤولية التي تشغلها، فبذلك يمكن استعادة ثقة اللبنانيين بقضائهم، وتالياً بدولتهم، وبحكومتهم أيضاً، ومن هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي، وتبدأ عملية مكافحة الفساد، وتالياً السير على سكة الحلّ.

والحقيقة الأخرى أنّ الحديث عن صفقة بين جهتين يكشف حجم التأثير والتدخّل في عمل مؤسسات الدولة، وحجم مصادرة دور هذه المؤسسات، فما تحدث عنه أحد الوزراء السابقين عن صفقة لإطلاق سراح الفاخوي في مقابل إطلاق أحد الموقوفين في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يعني إحدى الجهات المحلية، يشكّل فضيحة مدوّية أخرى لا تقلّ خطراً و"دناءة" عن الفضيحة الأولى، إذ أنّها – فيما لو صحّت – تُسقط كل القيم والاعتبارات، وتلقي خلف ظهرها كل أوجاع المعذبين والمعتقلين في معتقل الخيام، في مقابل تحقيق مصالح آنية لبعض الأشخاص النافذين أو المقتدرين، وتؤكد أيضاً أنّ الفقراء والبسطاء والجادّين لا ظهراً يحميهم ولا سقفاً يأويهم، ولا من يحزن ولا يحزنون.

خلاصة القول : القضاء اليوم أمام تحدّي استعادة ثقة المواطنين، وحسناً فعل النائب العام التمييزي عندما طلب تمييز الحكم الصادر عن المحكمة، وبالتالي أوقف إطلاق سراح العميل بطريقة من الطرق، ليبقى دور المجتمع المدني والمقاومين الضغط، وبكل الطرق الممكنة، من أجل إنزال القصاص العادل بمثل أولئك الخونة الذين باعوا أنفسهم للعدو، وحتى أولئك الذين يعقدون الصفقات من أجل إنقاذهم من القصاص.