كلمة الأمان

المصالحات الفلسطينيّة بين فتح وحماس هل تحقق أهدافها؟
05/10/2017

لعلّ كثيراً من المراقبين فوجئوا بالمبادرات الكبيرة التي أطلقتها وأقدمت عليها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) منذ إعلان رئيس المكتب السياسي السابق للحركة (خالد مشعل) عن وثيقة جديدة للحركة منذ أشهر، ثم انتخاب الأستاذ اسماعيل هنيّة رئيساً جديداً للمكتب السياسي لحماس بعد انتهاء ولاية سلفه «مشعل»، مما لا تعرفه الساحة العربية، لا سيما الفلسطينية منها، بدءاً من ياسر عرفات وصولاً الى كل مسؤولي الفصائل الفلسطينية.. إلى الزيارات المتكررة لوفود حركة حماس الى القاهرة، وهي التي تحاكم رموزاً من جماعة الإخوان المسلمين مع الرئيس محمد مرسي بتهمة «التخابر مع حركة حماس».
بعض المراقبين اعتبروا زيارة وفود حماس للقاهرة تنازلاً، لكنهم لم يدركوا أن «حماس» حركة تحرير، وأنها استطاعت تحرير قطاع غزة من الاحتلال الإسرائيلي، حتى بات المنطقة الفلسطينية الوحيدة المحررة، وقد كلفها ذلك استشهاد معظم رموز الصف الأول من قيادات الحركة، من الشيخ أحمد ياسين الى الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الى صلاح شحادة وغيرهم. لذلك فإن حركة حماس ليست حزباً سياسياً أو جمعية خيرية، أو تياراً فكرياً يمنح ولاءه لهذا الفريق العربي أو ذاك. من أجل ذلك استطاعت «حماس» أن تحتفظ بالقطاع محرراً رغم الحروب الدموية التي تعرّضت لها، والحصار غير الإنساني، بحراً وبراً وجواً، من شمال القطاع ومن جنوبه.
لكن ماذا عن الجولات الأخيرة من المصالحات، مع النظام الحاكم في مصر، ومع الفصيل المنشق عن حركة فتح بقيادة محمد دحلان، وأخيراً مع رئيس السلطة الفلسطينية (المنتهية ولايته) محمود عباس، ومع حكومة الوفاق الوطني برئاسة رامي الحمدالله؟! الجواب الأول أن حركة حماس ليس لديها ما تخسره، وليس بإمكان أي فصيل آخر أن ينازعها السيطرة على القطاع، لأنها حكمته مدة عشر سنوات، وأشرفت على جميع مؤسساته التربوية والاجتماعية، وقد سبق له أن منحها الولاء في أول انتخابات تشريعية عام 2006 على مستوى الساحة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة، ويومها لم تكن حركة حماس ترغب في أن تحكم، وانما أن تتابع طريقها من أجل تحرير فلسطين، كل فلسطين.. وكل ما كانت تؤمل به الحركة من خلال خوض الانتخابات هو أن تحوز كتلة نيابية معارضة تتيح لها أن يكون لها صوت في المجلس التشريعي الفلسطيني وفي الساحة الشعبية، لكن «حماس» فوجئت، كما فوجئ الجميع، بأن تحوز على 57٪ من المقاعد، وأن تحوز حركة فتح 32،5٪، بينما توزعت بقية المقاعد على بقية الفصائل والأحزاب. وقد شكل اسماعيل هنيّة حكومة كل فلسطين، وبقي محمود عباس رئيساً للسلطة، وما يزال في هذا الموقع حتى اليوم.
في عام 2007 حاولت «السلطة الفلسطينية» بالتعاون والتنسيق مع الكيان الصهيوني بسط سيطرتها على قطاع غزة أمنياً وعسكرياً، لكنها فشلت في ذلك، وكانت حركة حماس هي البديل، وما تزال حتى اليوم، رغم الحصار (الإسرائيلي والمصري) الذي تمارسه دول الجوار على قطاع غزة.
وبالوصول الى جولة المفاوضات التي خاضتها حركة حماس مع حركة فتح (جناح دحلان) الشهر الماضي بالقاهرة، والحوار الذي أجرته الحركة مع السلطات المصرية (الأمنية والسياسية)، واستقبال رئيس الوزراء الفلسطيني المعيّن ومعه أعضاء حكومته في غزة.. يمكن ادراج الوقائع كما يلي:
- حركة فتح تملك حضوراً شعبياً وفصائلياً في قطاع غزة، لكنه تابع لدحلان، الخصم اللدود لمحمود عباس. أما الحضور النيابي في القطاع فهو موزع بين «حماس» ودحلان، الذي يمثله خمسة عشر نائباً في القطاع، وهذا الحضور النيابي لن يكون الى جانب عباس، وانما بالضرورة الى جانب «حماس».
- دفعت حركة حماس بالآلاف من أبنائها للنزول الى المعابر، ثم الى شوارع غزة لاستقبال الوفد القادم من رام الله، وكانت الحشود تهتف لحماس أولاً، ثم لحكومة الحمدالله وعباس، وبعضهم رفع صور عبد الفتاح السيسي، لأن وفداً مصرياً شارك في المفاوضات.. وهذه صناعة يفهمها المراقبون، كما فهمها أعضاء الوفدين، المصري والفلسطيني.
- عقد وزير المخابرات المصرية اللواء خالد فوزي اجتماعاً مع الحمدالله في غزة، بحضور رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية ماجد فرج، ثم انضم إليهما وزراء الحكومة. وكان اللواء فوزي قد زار محمود عباس في رام الله واتفق معه على نتائج المفاوضات.
- بعدها أدلى عباس بتصريح قال فيه: «كل شيء في غزة يجب أن يكون بيد السلطة»، بينما خاطب الرئس السيسي المجتمعين برسالة متلفزة قال فيها: «لقد قمت بإيفاد رئيس جهاز المخابرات العامة تأكيداً على حرص مصر على انجاز المهمة.. وستجدون مصر الى جانبكم على الدوام».
بعدها تناول الوفدان، المصري والفلسطيني، طعام الغداء بدعوة من اسماعيل هنيّة، وخاضوا حواراً غير معلن حول آلية الحوار وامكانية الوصول الى مصالحة وطنية تنهي فترة الانقسام الفلسطيني التي استمرت عشر سنوات.
أما القضايا الكبرى وذات الأهمية فقد جرى ترحيلها وتأجيلها الى يوم الثلاثاء المقبل، حيث يعقد الطرفان جولة مفاوضات (أو جولات) في القاهرة، بعد أن يكون المسؤولون في كلا الطرفين قد تدارسوا جولة المفاوضات، وأهم ما فيها اجراء الانتخابات، وتسليم السلطات الى وزراء الحكومة القائمة، وانتخاب رئيس جديد للسلطة الفلسطينية، وكذلك تشكيل حكومة جديدة.
في هذا الوقت، وخلال الأيام التي تفصلنا عن موعد المفاوضات بالقاهرة، سوف تكون قيادة حركة حماس مستنفرة لدراسة ما جرى في غزة ورام الله ثم القاهرة، كما سيكون محمود عباس وأركان سلطته بانتظار ما سوف تصدره المرجعيات السياسية في عدد من العواصم التي يدين لها بالولاء والتأييد.
حركة حماس لم ولن تخسر شيئاً بإذن الله بعد جولات الحوار والمفاوضات التي خاضتها في غزة أو في القاهرة، خاصة أنها تدرك حجم المسؤولية المنوطة بها كممثل للشعب الفلسطيني، الذي يعلق على تمثيلها وأدائها آمالاً كبيرة، سواء بالحفاظ على حضورها المسلح في وجه الاحتلال، أو في الإبقاء على القضية الفلسطينية حاضرة على الأرض، في فلسطين أو في الشتات أو في عقول العرب والمسلمين.