كلمة الأمان

القرار الأميركي حول القدس والأقصى يتحدّى العالم
22/12/2017

عادت قضية القدس لتحتل مكانتها اللائقة في واجهة الأحداث، ليس في المنظور العربي والإسلامي وحده، وانما في المنظور العالمي. ليس لأن انتفاضة فلسطينية انطلقت في الضفة الغربية، أو أن صواريخ يجري اطلاقها باتجاه قطاع غزة.. وانما نتيجة حماقة ارتكبها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حين أعلن عن قرار أميركي بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى مدينة القدس. وهذا قرار سبق لعدة رؤساء أمريكيين أن تحدثوا عنه في حملاتهم الانتخابية، لكنهم أحجموا عن الإقدام عليه، نظراً لما يشكله من تحدّ للقرارات الدولية وللأعراف المرعية.
لكن ترامب تجاوز كل ما كان يراعيه ويحترمه أسلافه، ليس فقط لإثبات شجاعته وجرأته، وانما لأنه مضطر للالتزام بما وعد به فريق عمله الانتخابي، سواء كانوا من اليهود الأمريكيين، أو من كبار رجال المال والأعمال ممن ساندوه في حملته الانتخابية. وعندما جرت مناقشة مشروع القرار الذي تقدمت به مصر أمام مجلس الأمن الدولي، صوّت أربعة عشر مندوباً الى جانب مشروع القرار العربي فقابل المندوب الأميركي وحده، الذي استعمل حق النقض (الفيتو) ضد المشروع، وهذا وحده يكفي-الزامه بنظام الأمم المتحدة- لإسقاط مشروع القرار.
وهنا انطلقت انتفاضة واسعة، ورفض عالمي للقرار الأميركي، لأنها تكاد تكون الواقعة الوحيدة التي يحوز فيها قرار بمجلس الأمن الدولي على اجماع عالمي، وأن تكون الولايات المتحدة وحدها في مواجهة العالم كله. ليس فقط لأن الدول الممثلة في مجلس الأمن الدولي، ولا لأن الضغط العربي عليها كان كبيراً.. ولكن لأن الإجراء الإسرائيلي غير موضوعي وغير قانوني، فمدينة القدس احتلتها «إسرائيل» عام 1967، وما زالت الضفة الغربية وقطاع غزة محتلتين منذ ذلك التاريخ. وقد سبق لمجلس الأمن الدولي أن اتخذ قراراً عام 1980 حمل الرقم 478 يقضي بالامتناع عن اقامة بعثات دبلوماسية في مدينة القدس.. وعدم الاعتراف بأية تدابير أو اجراءات تتناقض مع هذه القرارات. فأن يأتي الرئيس ترامب في السادس من شهر كانون الأول الجاري ويعلن عن نقل سفارة بلاده الى القدس.. فهو أمر غير قانوني ومرفوض وفق كل الأعراف.
بعد هذا الاجراء انطلقت فعاليات رسمية وشعبية عربية وعالمية من أجل اسقاط فاعلية القرار الأميركي. وخرجت مسيرات شعبية في كل أطراف الأرض.. كلها استنكرت القرار الأميركي. لكن الصدمة كانت أكبر حين جرى التصويت في مجلس الأمن على المشروع العربي الذي تقدمت به مصر، إذ تحدى الموقف الأميركي الاجماع العالمي، وبات الرئيس الأميركي مضطراً للدفاع عن الموقف الذي اعتمده في مواجهة الدول الغربية الكبرى، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا وبقية الحلفاء الغربيين.
ولعل أبرز ما ساهم في الدعم الذي حظي به الموقف العربي، هو وحدة الصف الفلسطيني، فقد شهدت الساحة الفلسطينية مصالحة قبل قرابة شهر، بدأت بسلسلة زيارات قامت بها وفود من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الى القاهرة التقت خلالها مع مسؤولين في الأمن المصري، كما عقدت لقاءات مع وفد من حركة فتح، ووفود من الفصائل الفلسطينية، وهذا ما أسقط موضوع «الانقسام الفلسطيني» من يد السلطة الفلسطينية، خاصة بعد تلبية رئيس السلطة (محمود عباس) دعوة تركيا لمؤتمر منظمة التعاون الإسلامي الذي انعقد بمدينة استامبول، وألقى فيه عباس خطاباً حاز قبول جميع الفصائل الفلسطينية، رغم الضغوط التي تعرض لها من بعض الدول العربية والغربية من أجل أن لا يشارك في مؤتمر التعاون الإسلامي، كما فعلت بعض الدول العربية.
وكان بديهياً أن تلجأ الدول العربية والإسلامية الى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد حظي فيها المشروع العربي بما يشبه الاجماع في مواجهة الكيان الصهيوني والقرار الأمريكي بنقل السفارة، لكن قرارات الأمم المتحدة تبقى غير ملزمة. لكنها تشكل عامل ضغط على الموقف الأميركي الذي لم يجد أي دعم شرقي أو غربي لدعم الكيان الصهيوني.
لكن بصرف النظر عن مواقف الدول الكبرى أو الصغرى، فإن رصّ الصف العربي يأتي في طليعة المواقف الداعمة لمدينة القدس والقضية الفلسطينية بشكل عام. وما جرى في الساحة العربية الخليجية خلال الأشهر الأخيرة يجعل الاهتمامات العربية منصبّة على الداخل العربي، لا سيما في اطار دول المقاطعة الأربع، التي ما زالت معنيّة بحصار دولة قطر أو تصفية الحسابات الداخلية أكثر مما هي مهتمة بالقضايا الكبرى، ولا سيما القضية الفلسطينية. وأسوأ ما يجري تداوله هذه الأيام الحديث عن «صفقة القرن»، وقيام وفود عربية بزيارة مدينة القدس عبر البوابة الإسرائيلية، ولقاءات تعقد في مؤسسات صهيونية، ذات طابع علمي أو أكاديمي أو فكري أو اقتصادي.. وكلها ترمي الى إزالة الفوارق بين الجانب العربي والمؤسسات الإسرائيلية. فالعالم العربي يعيش ظروفاً استثنائية، مما يستدعي رصّ الصف العربي والإسلامي لمواجهة مخاطر المرحلة التي يعيش العالم العربي.
لقد شكلت قضية القدس رافعة لجماهير العالمين العربي والإسلامي كي تدرك مخاطر المرحلة، وأن تركز جهودها على قضاياها الكبرى، متجاوزة القضايا الجانبية والداخلية، لا سيما ما يتعلق منها بالصراعات والتجاذبات بين المتسلطين على الأنظمة الحاكمة، أو المتصارعين داخل الأنظمة أو العاملين لمصلحة القوى الإقليمية أو العالمية.. فإن لدينا ما يكفينا من نكبات وانقسامات.