كلمة الأمان

استحقاقات كبيرة يتحملها العهد الجديد فهل يقوم بتبعاتها؟
12/10/2017

المنطقة حول لبنان تعجّ وتضج، منها أقطار مهدّدة بالانشقاق والانقسام، وأخرى بحروب أهلية داخلية.. بينما أقطار أخرى أتعبتها النزاعات والصراعات، فآلت على نفسها أن تلقي سلاحها وتلجأ إلى الحوار والمصالحة. نحن في لبنان، أين نقف من كل هذه النماذج؟! كنا نحمد الله أنه امتنّ علينا بالاستقرار والأمان، رغم أننا أمضينا أربع سنوات بدون مجلس نيابي «شرعي» مدّد لنفسه ثلاث مرات، وبدون رئيس للجمهورية قرابة ثلاثين شهراً الى أن كسر الرئيس سعد الحريري جدار العزلة والانقسام فبادر إلى ترشيح عون، وبعده حكومة المصلحة الوطنية، أو المصالحة العابرة لا أكثر ولا أقل.
بعدها جاء الاتفاق على «قانون جديد للانتخابات» يعتمد النسبيّة والصوت التفضيلي والبطاقة الممغنطة، ومدّد المجلس النيابي لنفسه حتى شهر أيار المقبل كموعد لإجراء الانتخابات. لكن الكتل النيابية بدأت التراجع، فكان مشروع الرئيس بري (المعجّل المكرر) بتمديد عمر المجلس النيابي، حتى آخر كانون الأول القادم، ثم طوى هذا المشروع وربما تراجع عنه. كذلك قامت حملة ضد البطاقة البيومترية، وأن ينتخب المواطن اللبناني في محل إقامته وليس مسقط رأسه، نظراً لكلفة البطاقات الغالية وتسجيل الناخب نفسه في محل إقامته.. وهكذا قد يكون البلد أمام تراجع جديد الى القانون الأكثري القديم، الذي لم يبق بعده سوى النسبيّة التي لا يكاد يستوعبها المواطن اللبناني، وربما المرشح للمقعد النيابي.
ماذا حقق العهد بعد ذلك؟ جاءت معارك جرود عرسال، وبعدها جرود القاع ورأس بعلبك، وقد تولى مقاتلو حزب الله والحرس الثوري الإيراني مهمة مفاوضة مقاتلي «جبهة النصرة» في المرحلة الأولى، الى أن تم انسحابهم إلى ادلب، وشارك الجيش اللبناني في المعارك ضد تنظيم الدولة «داعش»، ليتولى مقاتلو حزب الله مواكبتهم الى محافظة دير الزور على الحدود السورية مع العراق. والسؤال المطروح هو: ما دور الجيش في المفاوضات مع «داعش» بعد أن دفع مقاتليه الى الانسحاب، سوى اطلاق عدد من القذائف المدفعية وابعادهم عن الحدود اللبنانية!! لقد كان التنسيق مع حزب الله قائماً، وكان مقاتلوه -بأسلحتهم وعتادهم- يجتازون الحدود ذهاباً وإياباً داخل الأراضي السورية.. بينما لو اكتشف رجال الأمن مجرّد رسالة باتجاه الداخل السوري مع أحد معارضي النظام لاتهم بأنه ينتمي إلى منظمة إرهابية، وربما تكفيرية.
بعد ذلك، احتل عناصر «الحزب القومي السوري الاجتماعي» عدداً من شوارع منطقة الحمراء في بيروت، وأقام فيها عرضاً عسكرياً دون أي تنسيق مع السلطة اللبنانية.. وبعدها جاءت ذكرى عاشوراء، وما واكبها من حظر مرور السيارات في شوارع الضاحية الجنوبية، وكذلك مرور المواطنين الذين يسيرون على أقدامهم خلال ساعات المساء، بدعوى الاحتياطات الأمنية.. والدولة غائبة عن السمع، مع أن الحزب القومي وحزب الله مشاركان في الحكومة.. فأين هي الدولة، وأين انجازات «العهد الجديد»؟!
بعد ذلك جاءت التهديدات الأمريكية لحزب الله وللحرس الثوري الإيراني، عندما اتخذ مجلسا النواب والشيوخ الأمريكيان قراراً يقضي باتخاذ «عقوبات مالية جديدة ضد حزب الله، تستهدف مصادر تمويله»، خاصة إذا منح الكونغرس الأميركي رئيس الجمهورية صلاحية ادخال أفراد أو جمعيات أو إدارات رسمية في دائرة العقوبات، وهذا ما تحدث عنه أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله مطوّلاً في خطابه يوم عاشوراء، وقال ان العقوبات قد تطال مستشفيات أو مؤسسات تجارية أو مدارس تعود ملكيتها لحزب الله.
معلوم لدى الجميع أن هناك حرباً مفتوحة بين إيران والإدارة الأمريكية، وأن المواجهة بلغت مستوى قال فيه القائد العام للحرس الثوري الإيراني اللواء محمد جعفري: «في حال تنفيذ واشنطن اعتبار الحرس الثوري تنظيماً إرهابياً مثل داعش فسيكون ردّ إيران شديداً، حاسماً وقاطعاً،  وعلى الولايات المتحدة ان تتحمل تبعاته..». لكن أصرح كلام إيراني جاء في مقال صحيفة كيهان، حمل عنوان: «طهران ستصيب من ترامب مقتلاً» فأبرزت تهديد اللواء جعفري أنه «في حال تنفيذ قانون اجراءات الحظر الجديدة من قبل أمريكا فعليها نقل قواعدها الإقليمية الى أبعد من مدى الصواريخ الإيرانية البالغ ألفي كيلومتر.
هذه المعادلة قد تتحملها إيران، وقد تستطيع تبادل الصواريخ مع الأراضي الأمريكية أو مع القواعد القائمة في أكثر من دولة في العالم، لكن لبنان لا يستطيع تحمل هذه الأعباء، ويذكر الجميع أن الأراضي اللبنانية كانت مفتوحة أمام طيران العدوّ الإسرائيلي في حرب عام 2006، مما جعل لبنان بدون ماء ولا كهرباء ولا طرقات معبدة، إذ جرى تدمير مناطق سكنية بكاملها، كما جرى تدمير الجسور التي تربط المناطق اللبنانية بعضها مع بعض. وإذا كان ذلك هو قدَر اللبنانيين، كما جرى خلال الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان منذ عام 1982 الى عام 2000 الى 2006 وما جرى قبلها وبعدها.. أفلا يكون من حق اللبنانيين أن يكون لهم رأي في هذا الصراع، وهل هو دفاعاً عن لبنان أو فلسطين أو إيران أو غيرها.. خاصة أن الإدارة الأمريكية ابتليت برئيس للجمهورية لا يفرّق بين صديق وعدوّ، خاصة أن قيادة حزب الله أعطته الذريعة حين قال الأمين العام للحزب: إن أموال حزب الله وصواريخه كلها من إيران، وقال قبلها ان كل ما نأكله ونشربه ونلبسه هو من إيران.
العهد الجديد إذن أمامه استحقاق بالغ الخطورة والأهمية، ولا ينبغي أن يستشعر فضل حزب عليه حين أوصل العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية، فيترك له حق امتلاك السلاح ونقله واستعماله داخل لبنان وخارجه، وان يتكامل مع إيران سياسياً وعسكرياً كما يتكامل معها فكرياً ودينياً.. وان يطلق يد وزير خارجيته في الأوساط اللبنانية والاغترابية، فيمارس الحملات الانتخابية كأنه «سيد العهد» والناطق باسمه!!
ليس ذلك من الأعباء الملقاة على كاهل رئيس العهد وحده، وصلاحياته معروفة.. ولكن كذلك على حكومة العهد ووزرائها، وحتى كل ممثلي الشعب اللبناني في المجلس النيابي.