كلمة الأمان

أبرز المسارات الفلسطينية المحتملة لسنتي 2018-2019
12/01/2018

في بيئةٍ استراتيجية ما زالت تعاني من حالة السيولة واللااستقرار، ومع تعقيدات التداخل وتدافع المصالح الإقليمي والدولي، ليس من السهل توقع مسارات محددة بدرجة عالية من الاطمئنان. غير أن قضية فلسطين ستحمل العديد من أزماتها واستحقاقاتها السابقة إلى المرحلة القادمة. أما أبرز المسارات المحتملة، فيمكن اختصارها (والله أعلم) على النحو التالي:
يبدو أن مسار التسوية السلمية وصل إلى حائط مسدود، وهو في طريقه إلى الانهيار، بعد أن أثبتت منظومة اتفاقيات أوسلو عجزها عن حمله باتجاه حلول سياسية حقيقية. وما دامت شروط اللعبة هي نفسها، فإن حلّ الدولتين وفق المنظور الفلسطيني سيسقط عملياً؛ وليس ثمة أفق لتحول السلطة الفلسطينية إلى دولة فلسطينية كاملة السيادة على الأرض المحتلة سنة 1967؛ وليس ثمة أفق أيضاً لتغيير وضع السلطة الراهن كأداة تخدم أغراض الاحتلال، أكثر مما تخدم أهداف الشعب الفلسطيني وتطلعاته.
وليس من المتوقع أن تتحقق المصالحة الفلسطينية إذا ما ظلَّت تُدار بالطريقة نفسها؛ وإذا لم تسعَ القيادة الفلسطينية الرسمية إلى إنجاز شراكة حقيقية، تُعبرّ عن الأحجام الحقيقية للقوى الفلسطينية في الداخل والخارج، وتُبنى على أساس برنامج وطني قائم على الثوابت. وينبغي التركيز على مسارات، لا يتحكم بها الطرف الإسرائيلي، كإعادة بناء منظمة التحرير. كما أن ثمة فرصة مستقبلية أفضل لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني في ضوء فشل مسار التسوية السلمية.
إن أعداد الفلسطينيين ستتجاوز أعداد اليهود في فلسطين التاريخية سنة 2018، وإن قلق السلطات الإسرائيلية من ذلك قد يدفعها إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات العدوانية والعنصرية؛ وهو ما يستدعي بذل كافة الجهود لدعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضه.
ستستمر معاناة الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ما دام تحت الاحتلال والحصار الإسرائيلي، وما دام تحت استحقاقات اتفاقات أوسلو وبروتوكول باريس؛ وستبقى الهيمنة الإسرائيلية على صادرات السلطة ووارداتها (أكثر من 60% من حجم التبادل التجاري)، كما سيظل الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي أكثر بعشرين ضعفاً من نظيره الفلسطيني، وستظل الميزانية الفلسطينية مُعتمِدة إلى حدٍّ كبير على الدعم الخارجي، وعلى إيرادات الضرائب التي يجبيها الاحتلال الإسرائيلي؛ وهو ما يجعلها رهينة له.
ستتواصل الاعتداءات الإسرائيلية ومشاريع التهويد والاستيطان، خصوصاً في القدس وباقي الضفة الغربية؛ وليس من المتوقع أن يتم رفع الحصار عن قطاع غزة ما دامت المقاومة الفلسطينية تحتفظ بقواها وبناها التحتية. وسيُحاول المشروع الصهيوني تحقيق أكبر قدر من المكاسب وبناء الحقائق على الأرض، في بيئة عربية وإسلامية ضعيفة ومفككة. غير أنّ من المتوقع أن تستمر المقاومة الفلسطينية، وأن تزداد فرصها في التصاعد مع حالة اليأس من مسار التسوية.
أما المجتمع الصهيوني فيتجه إلى مزيد من التطرف اليميني والديني، وإلى إسقاط مسار التسوية وحلّ الدولتين. وبالرغم من حالة التقدم الاقتصادي وارتفاع الناتج الإجمالي المحلي، وزيادة دخل الفرد (حوالي 40 ألف دولار سنوياً) بما يوازي نظيره في بلدان أوروبية؛ وبالرغم من القوة العسكرية الضخمة والنوعية الإسرائيلية؛ وبالرغم من حالة الضعف الرسمي العربي والإسلامي؛ إلا أن «إسرائيل» ستظل تواجه أزمات وجودية في ظلّ صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته على أرضه، وفي ظلّ بيئة عربية شعبية واسعة رافضة للتعامل معها، وفي ظلّ بيئة استراتيجية محيطة غير مستقرة، ويتنامى فيها الوجود المقاوم المعادي للكيان الصهيوني.
ومن المتوقع أن تحافظ الدول العربية، المرتبطة بعلاقات رسمية مع «إسرائيل»، وتحديداً مصر والأردن، على هذه العلاقات. وقد تحاول «إسرائيل» إحداث اختراقات في علاقاتها مع بعض دول الخليج على قاعدة التحالف ضدّ إيران ومكافحة «الإرهاب»؛ غير أن هذا الاختراق لن يكون سهلاً؛ وقد تُفضل أطراف عربية استمرار العلاقات «تحت الطاولة» بسبب المعارضة الشعبية الواسعة للتطبيع.
ليس من المتوقع أن تُحسِّن منظمة التعاون الإسلامي من أدائها الضعيف والباهت تجاه فلسطين. وستتابع تركيا تحت قيادة أردوغان أداءها السياسي النشط الداعم لفلسطين، في الوقت الذي ستحافظ فيه على علاقتها السياسية الباردة والتجارية النشطة مع الجانب الإسرائيلي. كما ستتابع إيران حالة دعمها السياسي والعسكري للمقاومة الفلسطينية، وعدائها المكشوف ضدّ «إسرائيل».
وستظل البيئة الدولية تبدي تعاطفاً ودعماً وبأغلبية كبيرة (نحو 140 دولة) لقضية فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة وعدد من المؤسسات الدولية. غير أن الولايات المتحدة ومنظومة القوى الكبرى التي تسيطر على مجلس الأمن الدولي، والتي تهيمن على السياسة الدولية، لن تسمح بأي قرارات أو إجراءات تجبر الجانب الإسرائيلي على اتخاذ خطوات يرفضها.
ومن جهة أخرى، فإن ثمة فرصة لزيادة ولو بطيئة في العداء أو النظرة السلبية الشعبية العالمية تجاه «إسرائيل»، كما أن ثمة فرصة لتعزيز نجاحات حركات مقاطعة «إسرائيل» BDS، وهو ما يتسبب بتصاعد القلق الإسرائيلي.}