ختامها مسك

نصر الله يفرّط برصيده مجاناً
16/02/2017 - اواب ابراهيم

على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً راكم أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله مسيرة طويلة من الخبرة والحنكة في مخاطبة الجماهير وإقناعها من خلال إطلالاته عبر وسائل الإعلام. على مدى ربع قرن استفاد نصر الله من عوامل محيطة رافقت مسيرة قيادته لحزب الله، فبنى زعامة تخطت الحدود اللبنانية، ورُفعت صوره ورايات حزبه في العديد من الأقطار العربية. بعض هذه العوامل يرتبط بالمؤسسة الصلبة التي يرأسها، وفريق العمل المحيط به الذي جيّر له كل إنجازاته. لكن عوامل أخرى شاءت الأقدار أن تصب في صالح نصر الله، كاستشهاد نجله هادي في مواجهة عسكرية في إقليم التفاح المتاخم لفلسطين المحتلة، ليقدم نصر الله إلى العالم نموذجاً جديداً من الزعامة. هذا الزخم تعزّز لاحقاً بالإنجازات التي حققها حزب الله في مواجهاته المتعددة مع الاحتلال الإسرائيلي، ليشكل العدوان على لبنان عام 2006 ذروة الشعبية التي اكتسبها حزب الله وأمينه العام بعدما فشل العدوان في تحقيق أهدافه، ونجاح الحزب في توجيه ضربات موجعة للكيان الإسرائيلي. كل ما سبق يُضاف لإمكانات نصرالله الشخصية، من كاريزما وحنكة وبلاغة وإجادة مخاطبة الجماهير.. ساهم بوصوله إلى مرتبة ندر من يسبقه إليها في نفوس شريحة واسعة من اللبنانيين والعرب.
لم يدم الأمر طويلاً، فسرعان ما أصيبت صورة حزب الله وأمينه العام بضربة في الداخل اللبناني نتيجة ما قام به الحزب في أيار 2008. وأدت هذه الأحداث لتبديد كل الرصيد الذي راكمه الحزب وأمينه العام خلال سنوات فطوال سنوات كان نصر الله يصر في كل مناسبة على أن سلاح حزبه هو لحماية لبنان واللبنانيين في مواجهة أعدائهم، لكن هذا السلاح حرف وجهته فجأة واستهدف صدور اللبنانيين، فقتل واعتقل العشرات، وأحرق عدداً من المراكز والوسائل الإعلامية التابعة لخصومه. اهتزت صورة حزب الله خارج لبنان جراء هذه الأحداث، لكن كان بالإمكان إعادة ثباتها وبريقها. استمر الأمر على هذا الحال حتى عام 2011 وبدء هبوب رياح الربيع العربي التي سرعان ما وصلت شرارتها إلى سوريا، لينكشف حزب الله وتسقط كل الشعارات التي كان يرفعها.
آخر إطلالات السيد حسن نصرالله الإعلامية قبل أيام شكلت مناسبة جديدة ليواصل مساره في تحوير الحقائق، فقد أكد نصر الله في كلمته على أنه وحزبه حريصون على وقف إطلاق النار في سوريا، وأنهم يقدمون كل التسهيلات لحصوله، في حين أن الوقائع على الأرض كشفت أن حزب الله هو الذي حاول عرقلة الاتفاق الروسي التركي الذي قضى بوقف إطلاق النار وانسحاب مسلحي المعارضة من حلب، فاستهدف الباصات التي كانت تقل الأهالي، واعتقل منهم وأهان شبانهم وصادر بعض ممتلكاتهم. نصرالله نفى في الكلمة نفسها سعي حزبه والنظام السوري لإحداث تغييرات ديمغرافية في المناطق التي يسيطرون عليها، بينما الوقائع في الميدان تؤكد غير ذلك. فحزب الله يصرّ في معظم المناطق التي يسيطر عليها على إخلائها من سكانها وترحيلهم إلى مناطق بعيدة. 
اعتاد نصرالله في إطلالاته الإعلامية التعليق على العناوين الرئيسية المتعلقة بالقضية التي يتحدث عنها. وقد احتلّت الأزمة السورية حيّزاً واسعاً من كلمته الأخيرة، لكنه رغم ذلك لم يتطرق للحدث الأهم الذي شهده الأسبوع المنصرم وهو تقرير منظمة العفو الدولية الذي كشف عن إعدام النظام 13000 مواطن سوري في سجن صيدنايا وحده. فأخبار كهذه لاتتناسب مع مايحاول نصرالله تمريره على من يستمعون إليه. 
حظي حزب الله وأمينه العام طوال سنوات بثقة وتأييد شريحة واسعة من الجماهير، لبنانية وعربية، خاصة أنه تصدّر مشهد المواجهة مع العدو الإسرائيلي في زمن تخاذل فيه الجميع. وكان بإمكان الحزب أن يستمر في كسب قلوب من أحبه وهتف باسمه ورفع صوره لو أنه التزم بالشعارات التي رفعها من مواجهة العدوّ الإسرائيلي وتحرير فلسطين والسعي للوحدة الإسلامية ولم يبدّل اتجاه بندقيته. لكن تبيّن أن كل ما كان يقوله السيّد نصر الله هو وسيلة لدغدغة المشاعر وكسب القلوب، وأنه لم يعد مقنعاً لأحد، حتى لبعض عناصره ومؤيديه.