العدد 1349 / 13-2-2019
أواب إبراهيم

منذ بدأت الاحتجاجات الشعبية في السودان قبل أشهر، لم يتردد الإسلاميون حول العالم في مساندة هذه التحركات والوقوف إلى جانبها ومطالبة السلطة السودانية وعلى رأسها الرئيس عمر الشبير بالاستجابة لمطالبها.

قد يبدو هذا الموقف طبيعياً ومنطقياً، فموقف الإسلاميين خلال ثورات الربيع العربي كان دائماً مسانداً للشعوب في مواجهة أنظمتها الفاسدة والظالمة والقمعية. لكن لموقف الإسلاميين الداعم للتحركات الشعبية في السودان فرادة خاصة، لاتتوفر في أي موقف سابق. فالنظام السوداني هو الوحيد الذي يحمل مشروعاً إسلامياً، والرئيس عمر حسن أحمد البشير وصل إلى رأس السلطة عام 1989 بانقلاب عسكري خطّط له وحضّر له ونفّذه الإسلاميون، والبشير كان واجهة له. ومنذاك يتم تصنيف النظام السوداني بأنه نظام إسلامي، وهذا ليس اتهاماً فارغاً، فمن يستمع لكلمات وخطب ومواقف الرئيس البشير يجدها تقطر آيات قرآنية وأحاديث نبوية وشعارات إسلامية، إلى جانب الخيزرانة التي يلوح بها.

بعد نجاح الثورات المضادة للربيع العربي، وبعدما نجحت بعض الأنظمة العربية بملايينها وبراميل نفطها في إجهاض محاولات التغيير وإزاحة الأنظمة الفاسدة، بقي النظام السوداني الوحيد الذي مازال يحمل مشروعاً إسلامياً، وكان منطقياً أن يلتف حوله الإسلاميون ويتمسكون به ويحمونه ويساندونه ويؤيدونه ظالماً كان أم مظلوماً. لكن ذلك لم يحصل، فالإسلاميون يقفون إلى جانب الحراك الشعبي، في مواجهة النظام الذي يعد حليفهم. لم يدفعهم تعصبهم لهوية النظام كي يقفوا إلى جانبه، رغم أن البديل ليس مضموناً أن يكون مشروعاً إسلامياً.

موقف الإسلاميين المساند للحراك الشعبي ليس مقتصراً فقط على التعاطف والتأييد من الإسلاميين حول العالم، بل يمتد إلى الإسلاميين داخل السودان نفسها. فالعديد من الأحزاب والشخصيات الإسلامية الحليفة للنظام ورئيسهيقفون إلى جانب الحراك الشعبي ويطالبون البشير بالتنحي والاستجابة لمطالب الغاضبين، ولم يلقوا بالاً إلى أنهم بذلك يساندون حراكاً لاهوية له في مواجهة نظام إسلامي، وبذلك أثبت الإسلاميون أن مواقفهم داعمة للشعوب في مواجهة الأنظمة الفاسدة أياً كانت هوية هذه الأنظمة.

الأمر لم يكن نفسه بالنسبة للقوميين، الذين نظروا بعين الريبة لثورات الربيع العربي، ووقفوا سراً وعلانية إلى جانب أنظمة مجرمة فاسدة دموية قتلت وهجرت شعوبها فقط لأنها تحمل هوية قومية زائفة. فوقف القوميون في مواجهة شعوب مقهورة مقموعة مسحوقة، ذنبها أنها حملت وجعها وطالبت بحريتها دون أي لافتة قومية إلى جانبها. هذا الموقف المتخاذل للقوميين شهدناه في كل ثورات الربيع العربي، لكنه كان أكثر فجاجة في ثورة الشعب السوري على نظامه. فوقف القوميون إلى جانب نظام هجّر الملايين وقتل مئات الآلاف واعتقل عشرات الآلاف من أبناء شعبه، فقط لأن هذا النظام حمل هوية قومية بعثية، ولم يعبأوا بمقدار الظلم والدموية التي يمارسها هذا النظام بحق شعبه. فالقومية بالنسبة للقوميين تعلو ولا يعلى عليها، والغاية تبرر الوسيلة، مهما كانت هذه الوسيلة مخضبة بدماء الشعوب وقهرها وسحقها، ويصبح هذا التعصب أشد حين يلوح في الأفق أن البديل عن السلطة القائمة هم الإسلاميون.

وقوف الإسلاميين إلى جانب الحراك الشعبي في السودان في مواجهة حليفهم النظام، قدّم نموذجاً مشرفاً للعالم، علّ القوميين يتعلمون منه درساً.

أوّاب إبراهيم