أواب إبراهيم

بعد شهر ونصف أو شهرين على الأكثر هو الموعد الذي ضربه رئيس الحكومة سعد الحريري لأهالي الموقوفين الإسلاميين لصدور قانون العفو العام عن أبنائهم. الرئيس الحريري يحرص في الآونة الأخيرة في كل مناسبة شعبية على التأكيد أنه يولي قانون العفو أهمية كبيرة، وهو جاد جداً في الوصول إليه ويعمل على الأمر مع وزير العدل ومع المحكمة العسكرية وكافة المعنيين، وأن رئيس الجمهورية حريص على إنجازه كذلك.
من قبيل المصادفة ومن دون أي غاية في نفس سعد، سيكون الموعد الذي حدده الرئيس الحريري لصدور قانون العفو على مسافة أقل من شهرين فقط من موعد الانتخابات النيابية، أي في ذروة الحملات الانتخابية التي يستغل خلالها المرشحون ما يستطيعون لتجييش الشارع واستدرار العواطف. لكن يرجى التحلّي ببعض حسن الظن، فالعفو العام قضية ذات بعد وطني وإنساني وقضائي، وهو يتعلق بمأساة يعيشها عشرات الموقوفين في السجون منذ سنوات، ولن يتم استغلاله في أي حملة انتخابية(!!).
كما في كل مناسبة، تتهرب السلطة اللبنانية من تصحيح أخطائها، ومحاولة وضع الأمور على طريقها الصحيح، وتلجأ عوضاً عن ذلك لإجراء عمليات جراحية. فقانون العفو العام سيخرج الموقوفين الإسلاميين من  السجون، لكنه لايبرّئهم، ولايكشف الظلم الذي لحق بهم طوال سنوات. بل إن كثيراً من اللبنانيين سيردّدون على مسامعهم صباح مساء أن الإفراج عنهم تم لأهداف انتخابية، وضمن صفقة سياسية، وأن الإفراج عنهم تمّ مقابل كذا وكذا.
معظم الموقوفين الإسلاميين في السجون مظلومون. فاعتقالهم تمّ إما بناء على تقرير كتبه مخبر أراد الإيقاع بهم وإرضاء مشغّله، وإما لأنهم ناصروا أو أيّدوا فلاناً أو كانوا يصلّون في مسجده ورحبوا بأفكاره دون أن يرتكبوا أي فعل مخالف للقانون، وإما بسبب أخطاء ارتكبوها. لكن بقاءهم في الاعتقال زاد عن المدة التي يمكن أن يحكم عليهم بها، هؤلاء مظلومون ويجب أن يخرجوا من السجن دون منّة من أحد ودون الحاجة لصدور عفو عنهم. ورفع الظلم عن هؤلاء لا يكون بإخراجهم من السجون دون محاكمات، بل بالتسريع بمحاكماتهم بعد إخلاء سبيلهم، وأن يتم بعدها تسريع إجراءات المحاكمة وإصدار الأحكام بحقهم، التي ستبيّض صفحتهم وتعيد إليهم بعضاً من كرامتهم. أما السنوات التي سلبها السجن من حياتهم فلن يعيدها إليهم أحد. في حين أن الذين ارتكبوا أفعالاً جرمية جنائية، فهؤلاء –حسب كلام الرئيس الحريري- لن يشملهم العفو العام المزمع صدوره.
مفهومة لهفة أهالي الموقوفين الذين يريدون الإفراج عن أبنائهم بأي طريقة. لكن حق الموقوفين لايُسترد بمنحهم عفواً عاماً، بل بإجراء محاكمات سريعة وعادلة وهم خارج السجون يتابعون حضور محاكماتهم. وعوض أن ينشغل رئيس الحكومة ووزير العدل قبيل الانتخابات بإصدار عفو عام، فلينشغل بإصدار قانون تعويضي لجبر الضرر الذي لحق بشباب بعمر الورود، قضوا سنوات طويلة من أعمارهم في السجون يدفعون ثمن استنسابية قضائية، أو بطء في إجراءات المحاكمة.
على فرض أن العفو العام صدر بعد أشهر، وخرج من السجون عشرات الموقوفين المظلومين، من الذي يضمن عدم تكرار ما حصل؟ فيتم استغلال مشكلة أمنية في مكان ما (كما حصل في مرات سابقة) ليتم الزج بعشرات الشباب في السجون، ولتتكرر المأساة نفسها، ليعود الأهالي للمطالبة بإصدار عفو عام عن أبنائهم، وليس استغلال هذه المأساة انتخابياً وشعبياً كما هو حاصل اليوم.
العفو العام لا يحقق العدالة بل يلتف عليها ويتجاوزها ويؤسس لظلم يأتي من بعده. العدالة تكون بتطبيق القانون على جميع اللبنانيين، بأن يتم التشدد أو التساهل في إصدار الأحكام بناء على الجرم المُرتَكَب وليس على هوية المرتَكِب أو طائفته أو مذهبه. العدالة تكون حين لا تكون هناك استثناءات فوق القانون، وحين يتم التعامل مع الجميع بعين واحدة، العدالة تكون بأن تطال الأحكام الجميع، لا أن يتم استثناء طرف أو جهة، والتعامل معها كأنها فوق القانون. العدالة تكون حين يخرج الموقوف من السجن لأنه بريء، لا لأنه مسنود ومدعوم من هذه الجهة أو تلك.