العدد 1355 / 27-3-2019
أواب إبراهيم

يشهد قطاع غزة أجواء من التوتر بعد سقوط صاروخ انطلق من القطاع على عاصمة الاحتلال تل أبيب موقعاًعدداً من الجرحى. وكان سبق ذلك بأيام انطلاق صواريخ أخرى من غزة على مناطق محتلة.

بعيداً عن بعض خربشات التهليل والتصفيق التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي احتفاء بالصاروخ، فإن قيادة حركة حماس كما كل المؤيدين والمناصرين والمحبين لها وجميع أبناء قطاع غزة حبسوا أنفاسهم خشية تدحرج الأمور واتخاذ الصاروخ ذريعة لشن الاحتلال عدواناً جديداً يحرق الأخضر واليابس. الترقب والحذر بل والخوف سلب الصاروخ الكثير من الإنجازات التي حققها، فلم ينل ما يستحقه من تقدير. فالصاروخ بخلاف محاولات كثيرة سبقت، تجاوز منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية التي تكلف عليها الاحتلال المليارات لحمايته من صواريخ المقاومة، ووصل إلى منطقة سكنية بتل أبيب، قاطعا مسافة تزيد عن 140 كلم، وهي مسافة غير مسبوقة لأي صاروخ يطلق من القطاع. وهي المرة الأولى التي تنجح صواريخ من غزة باستهداف تل أبيب، مما يعني الاقتراب من تكريس معادلة ردع حقيقية مع الاحتلال. لكن كل ذلك، لم يزد المقاومة وأهلها إلا المزيد من الترقب والحذر من ردة الفعل الإسرائيلية على الصاروخ، خاصة أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهويحتاج لتعزيز وضعه الانتخابي في الداخل الإسرائيلي، فيستخدم الصاروخ ذريعة لإبراز عضلاته الدموية بشن عدوان على القطاع.

في الماضي، حصلت محاولات كثيرة لإطلاق صواريخ من القطاع على الأراضي المحتلة، وكان الموقف المعهود والطبيعي من حماس ومن غيرها من فصائل المقاومة، التأييد الذي يشكل "رداً طبيعياً على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الشعب الفلسطيني"، وكان الفلسطينيون وتحديداً في غزة ينشرون حواجز لتوزيع الحلوى على المارة ، ولو كان الصاروخ سقط في أرض زراعية خالية ولم يتسبب بأية أضرار للجانب الإسرائيلي. لكن الصورة هذه المرة بدت مختلفة. فرغم الإختراق النوعي الذي حققه الصاروخ، لكن لم يكن هناك دافع للاحتفاء به، بل على العكس للتبرؤ منه، والهمس بالاستياء من الجهة التي أطلقته واتهامها بالإساءة والإضرار بقطاع غزة.

الاختلاف الحاصل لا يتعلق بالموقف المبدئي من مقاومة الاحتلال، الذي كان ومازال وسيبقى، لكنه مرتبط بالانهيار والتراجع الكبير الذي أصاب العالم تجاه القضية الفلسطينية. فالمقاومة في غزة تدرك أن كثيراً من بني جلدتها يروّجون لصفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية، ويدركون كذلك أن التعاطف والتأييد الذي كانت تحظى به القضية الفلسطينية لم يعد كالسابق، عدا عن الأزمة المالية الخانقة التي تضغط على صدور الغزيين، بعد توقف السلطة الفلسطينية عن تسديد أجور العاملين فيها في محاولة للضغط على حماس وتفجير الوضع في القطاع. وبالتالي فإن أي عدوان إسرائيلي جديد لن يجد من يوقفه، وعلى الأرجح سيكون بعض العرب من المؤيدين له في السر لتصفية المقاومة، هذا عدا عن أن قطاع غزة ليس مستعداً لعدوان إسرائيلي جديد يدمر البنية التحتية ويعيد عجلة الإعمار إلى نقطة الصفر، في ظل الحصار المفروض على القطاع ولعبة العصا والجزرة التي تمارسها مصر مع غزة.

قبل سنوات، وبعد أشهر قليلة من نجاح الربيع العربي بالإطاحة بالأنظمة العربية الفاسدة، قال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل –آنذاك- إن الإسلاميين الذين وصلوا إلى السلطة أدركوا أن الحكم ليس نزهة وليس مهمة سهلة، فالوجود في السلطة تعترضه تحديات وعقبات وصعوبات كثيرة، وأن هناك حسابات كثيرة على السلطة أن تأخذها في الحسبان قبل اتخاذ موقفها، وهو ما لم يكن يدركه الإسلاميون حين كانوا خارج السلطة. اليوم، حركة حماس في قطاع غزة، ليست مسؤولة فقط عن مقاومة الاحتلال ومواجهته والتصدي لأي عدوان، بل أيضاً مسؤولة عن تأمين قوت أبناء القطاع، والحفاظ عليهم، والحرص على عيش كريم لهم.

المعادلة صعبة وغير معهودة، لكنه الواقع المرّالذي حُشرت فيه حماس في ظل التردّي العربي.

أوّاب إبراهيم