ختامها مسك

ثالِثُ الشَّريكَين
23/11/2017 - الشيخ نزيه مطرجي

إن تجارة الأموال تكشف وَرَع الرِّجال، وحين تُمتَحَن النفسُ بالدينار والدرهم، يُهان صاحبها أو يُكْرَم، وقد قيل: «إذا أثنى على الرَّجُل جيرانُه في الحضَر، وأصحابه في السَّفر، ومُعامِلوه في الأسواق، فلا تشُكُّوا فيما عنده من الصَّلاح وحُسن الأخلاق، فلا تكتمل صورة العابد إلا بشُهُوده في السُّوق والمسْجد».
إنَّ مَن صرَف بصره تِلقاءَ بريقِ الذَّهب، ولمَعان الفِضة، فعفَّت نفسُه، واستقام خُلُقُه، فهو بين العباد في زمن الفساد كذاكِر الله في الغافلين، وكالمُقاتل خلفَ الفارِّين، وكالشجرة الخضراء بين الهشيم؛ يقول الشاعر:
لا يغُرَّنَك من المرء قميصٌ رَقَعَه أو إزارٌ فوقَ كعْبِ السّاق منه رفَعَه
أو جبــــينٌ لاحَ فيـه أثـــرٌ قد قلَعــَهولدى الدِّرهَم فانظُر غَيَّه أو وَرَعه
والمرءُ في تجارته ومعايِشه لا غِناءَ له عن شُركاء يتعاونون في الجهود والأعمال، ويتقاسَمون المنافع والأموال، فإذا عُقِدَتِ الشراكةُ فلا يكون الشريك حقيقاً بها حتى يتحلّى بخُلُق الأمانة، وأن يكون ذلك هَيئةً راسِخةً في نفسه وطَبْعِه رُسوخَ الجبال في باطن الأرض، لا وَمْضَةً عابرةً عُبور سحائب الصَّيف في أديم السماء.
إن النبي صلى الله عليه وسلم أَوْصَى بالأمانة وتشدَّد في ذلك حين سأله رجلٌ من أهل العالية: أخبِرني بأشدِّ شيء في هذا الدِّين وأَلْيَنِهِ، فقال: «أَلْيَنُه شهادةُ أن لا إله إلّا الله، وأَشـدُّه يا أخا العالِية الأمانة، إنه لا دينَ لمَن لا أمانةَ له ولا صلاةَ له ولا زكاةَ له» رواه البزار.
يقول أنسُ بن مالك رضي الله عنه: ما خطَبَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبةً إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانَة له، ولا دينَ لمَن لا عَهْدَ له» رواه أحمد؛ والشَّرِكة أمانة بل هي مَحَكُّ الأمانة، يقول فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: «يَدُ الله على الشريكين ما لم يخُن أحدُهما صاحِبه، فإذا خان أحدهما صاحبه رفعها عنهُما» رواه الدارقطنيّ.
فإذا تخلّى الله عن الشُّرَكاء أصاب الشَّرِكةَ الهَوانُ، وكان عاقبة أمرِهِما الخُسران. إن التعاوُن وحدَه في الشَّراكة لا يكفي لتوفير النَّجاح وتحقيق الآمال حتى يكون الإخلاصُ نَجْمَه الذي يُهتَدى به في ظُلُمات حياة ظهَرَ فيها الفساد في البرِّ والبحر، واشتبك فيها الخير بالشرِّ؛ إن الإخلاص يقتضي التجرُّد عن الأهواء والسعيَ لخير المتعاونين الشُّركاء، وإن الأمانةَ تتطلَّبُ الحَذر من السُّقوط في مَهاوِي الغَدْر والخِيانة، فلا يحلُّ لشريك أن يخدع شريكه أو يخونَه، أو يَغُلَّ شيئاً أو يحبِسَ حقاً، أو يُوقِع ظُلماً، أو يبيع بعَرَضٍ قليلٍ زائلٍ دينَه.
يقول عبد الله بن عباس: كلبٌ أمين خيرٌ من صاحِبٍ خَؤون.
وقد رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في شأن الذي سطا على غنم بَنِي زُهرة وأخذ منها شاةً، فوثب عليه كلبُ الماشية فقتَله: «قَتَل نفْسَهُ وأضاعَ دِينَه، وعصَى ربَّه، وخانَ أخاه، وكان الكلبُ خيراً منه!» (حياة الحيوان للدُّمَيري).
إن العملَ في إطارِ الشَّراكةِ أصبح في زماننا واهِنَ التقوى، فاقِدَ المعنى، قليلَ الجَدوى، لا ينجو أصحابُه من غَلَبَة الأهْواء المُتفرِّقة، ومن سُلطة المَنَاِزع المُتَصارعة، لا تَرُدُّ مَصالِحَهم سيلَ الأنانِيَة.
إن القوم الذين يجمع بينهم روحُ التعاون بقلوبٍ متآلفة، وأيدٍ مُتضافِرة، هم الذين يُقدِّسون الأمانةَ ويسيرونَ معها أنّى توجَّهَت رِكائبُها واستَقَلَّت مضارِبُها؛ يقول فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا ثالثُ الشريكَين ما لم يخُنْ أحدُهما صاحبَه فإذا خانَ أحدُهُما صاحِبَه خرجْتُ من بينهما» رواه أبو داود.