ختامها مسك

المحكمة العسكرية والملائكة
22/09/2017 - بقلم: أواب إبراهي

تسير محاكمة الشيخ أحمد الأسير ورفاقه نحو الحسم، سواء اكتملت عناصر المحاكمة أم لم تكتمل، بعدما ضربت المحكمة العسكرية عرض الحائط بأصول المحاكمات القضائية.
رئيس المحكمة في الجلسة الأخيرة لم يكتف بردّ جميع طلبات وكلاء الدفاع عن الأسير بل اتهمهم بالمماطلة وعرقلة العدالة وطردهم من قاعة المحكمة، وقرر تعيين محام عسكري (ضابط) للأسير، وأنهى الاستجوابات على أن تبدأ المرافعة في الجلسة التالية. وختم رئيس المحكمة إجراءاته بالقول «علينا ألاّ ننسى شهداء الجيش، ونحن مسؤولون عن إعطاء الحق لهذه الدماء»، وهي عبارة لاعلاقة لها بالقانون وربما هي أقرب الى الشعر، وهي تحمل في طياتها حكماً مسبقاً بإدانة المتهمين وتعاطفاً مع جهة الادعاء.
 لن نقف عند هذا التفصيل، لكن ما يجب الوقوف عنده هو الطلبات التي تقدم بها وكلاء الدفاع عن الشيخ الأسير، والتي اعتبرها رئيس المحكمة مماطلة ورفض الاستجابة لها. وكلاء الدفاع طالبوا المحكمة بالاستماع إلى عدد من المسؤولين السياسيين والعسكريين الذين يفترض وكلاءالدفاع أن لديهم معلومات ستفيد المحاكمة. وبما أنه يفترض بالمحكمة أن لاتكون متأثرة بأي ضغوط سياسية، وأن تطبق القانون وتحرص عليه، وبما أنه يفترض أن جميع اللبنانيين تحت سقف القانون في خدمة العدالة، فإن الموقف الطبيعي هو الاستجابة لهذه الطلبات طالما أنها - حسب الدفاع - ستساهم في جلاء الحقيقة. لكن المحكمة رفضت الطلب وعزلت المحامين وعيّنت للمتهمين محام اختارته هي رغم أنوفهم. ربما يكون وكلاء الدفاع مخطئون في تقديرهم، وربما يتيّبن أن شهادات الشهود أكدت إدانة الأسير ورفاقه، لكن طلب الاستدعاء حق ليس للمحكمة رفضه دون مبرر، وهو لايبيح حكماً اتهام وكلاء الدفاع بعرقلة سير العدالة ومنعهم من دخول قاعة المحكمة.
ليست هي المرة الأولى التي ترفض المحكمة طلبات جهة الدفاع، فقد سبق لها أن رفضت التحقيق في إخبار قدمه المحامون يطالب بالتحقيق في هوية من أطلق الرصاصة الأولى وأشعل فتيل المعارك. يستند هذا الإخبار إلى صور ومقاطع مصوّرة وتسجيلات صوتيّة انتشرت في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، إضافة لشهادات العديد من أبناء منطقة عبرا الذين شاهدوا بأعينهم مشاركة عناصر حزبية مسلحة في المعارك. ربما يتبيّن أن هذه العناصر هي من بدأت إطلاق النار، فاختلط الحابل بالنابل واشتعلت المعارك بعدها، وهذا يعني أن المواجهة لم تكن متعمدة من طرف الأسير ورفاقه، وربما يتبين أن مشاركة العناصر الحزبية اقتصرت على مساندة الجيش اللبناني في معركته، وأنها كانت بالتنسيق معه، وهدفت للتسريع بحسم المعركة والحدّ من الخسائر. في كلا الحالين على المحكمة التحقيق في هذا الإخبار لعلاقته الوثيقة بمضمون القضية. أما أن تطمس المحكمة كما كل الطبقة السياسية رأسها في الرمال، وتحاول نفي ما هو مؤكد ومعروف لدى أبناء صيدا من مشاركة طرف ثالث في المعركة، فهذا يُفقد المحكمة العسكرية مصداقيتها والثقة في أحكامها ويدفع للتشكيك بها.
الرفض المتكرر وغير المبرّر لطلبات وكلاء الدفاع دفعهم للاستنكاف عن السير بالمحاكمة، الأمر الذي اعتبرته المحكمة العسكرية مماطلة، علماً أن الاستنكاف هو حق من حقوق الدفاع وليس لأحد سلبه. وهو بكل الأحوال ليس بدعة ابتدعها وكلاء الدفاع عن الأسير، فاللبنانيون يذكرون استنكاف المحامي أدمون نعيم (وكيل الدفاع عن سمير جعجع) بسبب عدم تطبيق الطرق القانونية لناحية توقيفه في سجن وزارة الدفاع.
من المعروف في القضاء، أنه إذا تبيّن وجود علاقة أو مصلحة أو صلة تربط القاضي أو أحد أقربائه بالمدعي أو المدعى عليه، فإن عليه التنحي ويتم تعيين قاض آخر ليحل مكانه. فكيف هو الحال بالنسبة لمحكمة اسمها «عسكرية»، مشكّلة من عدد من الضباط وقام بتعيينهم قائد الجيش، وهم ينظرون في ملف مقتل عدد من عناصر الجيش في أحداث عبرا. ألن يكونوا متعاطفين حكماً مع جهة الادعاء (الجيش اللبناني) في مواجهة المدّعى عليهم أياً كانوا؟! أم أن قضاة المحكمة العسكرية ملائكة ليسوا من البشر؟!