ختامها مسك

ألا ليت عبرا كانت عشقوت
05/10/2017 - بقلم: أواب إبراهي

لم تكد تمر ثلاثة أيام على حكم الإعدام الذي أصدرته المحكمة العسكرية بحق الشيخ أحمد الأسير وعدد من أنصاره، حتى أصدر قاضي التحقيق في جبل لبنان قراره الظني في جريمة قتل شهدتها منطقة عشقوت. حيث أقدم المتهم على قتل أربعة من جيرانه بإطلاق النار عليهم من مسدسه بسبب الإزعاج الذي سبّبه نباح الكلب الذي تربيه عائلة القتلى في الفناء الخلفي للمبنى الذي يقطنون فيه، فطلب القاضي للمدعى عليه الحبس المؤبد.
مقارنة سريعة بين سطور الحكم على الشيخ الأسير والقرار بجريمة عشقوت توضح التباين الكبير في إصدار الأحكام، فالمحكمة العسكرية استنفرت عقلها القانوني لجمع ما تستطيع من أسباب مشددة على الأسير ورفاقه، في حين حرص القاضي في جريمة عشقوت على منح الأسباب التخفيفية رغم بشاعة الجريمة التي ارتكبها المتهم ودمويتها وتعمّده لها. فرغم ثبوت الجرم، واعتراف المدعى عليه بما فعل، إلا أن القاضي حكم عليه بالسجن المؤبد وليس بالإعدام، وقد اعتبر في حيثيات قراره الظني أن «عناصر جريمة القتل العمدي غير متوافرة»، وأنه «لم يثبت أن قتل المغدورين كان مبيّتاً ومتعمداً، بل ثبت من الوقائع أن القتل الحاصل كان وليد ساعته ونتيجة شجار وتضارب، وهذا يقتضي استبعاد عنصر العمد في هذه القضية» فكانت العقوبة المناسبة الحبس المؤبد.
أما المحكمة العسكرية فلا يوجد في قاموسها فصل تحت عنوان الأسباب المخففة، رغم أن الأدلة التي بحوزتها لا تعدو عن شهادات شهود ومقاطع من كاميرات مراقبة تم تقطيعها وعرض ما يناسب منها، لا يظهر فيها أحد يطلق الرصاص على الجيش اللبناني، بل يظهر شبان مسلحون حائرون لا يدرون ما يفعلون، ويظهر الشيخ الأسير بعباءته وقلنسوته البيضاء يروح ويجيء وهو يصرخ بمن حوله. هذه الأفعال عقوبتها حسب المحكمة العسكرية: الإعدام.
أرادت المحكمة العسكرية أن تريح نفسها، فلا هي كلفت من يدقق في طلبات المحامين لناحية التحقيق بمشاركة طرف ثالث في المعارك، وهو أمر أكدته صور تناقلتها وسائل الإعلام، وتصريحات كبار المسؤولين، وتدعمها شهادات الشهود من أبناء المنطقة، ويحسمها التشييع الذي حصل لبعض العناصر المسلحة الذين سقطوا أثناء مشاركتهم في المعارك. ولم تجد المحكمة أن ملفاً بهذا الحجم والأهمية يستدعي طلب شهادة المسؤولين في تلك المرحلة للاستماع لإفاداتهم حول مشاركة آخرين في المعارك. ولم تجد المحكمة داعياً لتلبية طلب المحامين بكشف الأماكن التي سقط فيها شهداء الجيش اللبناني، والتي ربما يكشف التدقيق فيها عن عدم مسؤولية الأسير ومناصريه عن قتلهم. سلكت المحكمة درب السلامة وانسجمت مع المناخ السياسي المناهض للأسير، وسعت من خلال أحكامها المشددة التنفيس من حالة الاحتقان التي ولّدها فشل الدولة اللبنانية في إعادة عسكرييها المختطفين أحياء لذويهم. وكأن أحكام المحكمة باتت التنفيس وليس العدالة. 
واجب المحكمة الوصول إلى العدالة وليس إنزال العقاب بعباد الله. واجب المحكمة أن تقوم بكل ما يلزم حتى تتضح الصورة كاملة، خاصة إذا كانت الأحكام تصل حدّ إنهاء حياة المتهمين. فلم يقل أحد إن الشيخ أحمد الأسير بريء ولايستحق أية محاكمة، لكن فلتكن محاكمة عادلة تحاسبه على أمر ثبت قيامه به، وليس على ظنون وقرائن ومناخ سياسي معادية له ولتوجهاته. 
الأهم من كل ذلك، ليس من المنطق ولا من العدالة في شيء، أن تطبق المحكمة أقسى العقوبات بحق متهمين، ولا تقوم بأي جهد لملاحقة المتهمين في جرائم أخرى. فالعدالة لا تتجزأ، والحرص على تطبيق القانون بحق أناس وترك آخرين لا يكون عدالة بل ظلماً وجوراً. فأين جهد المحكمة في ملاحقة المتهمين بجريمة تفجير مسجدي التقوى والسلام، ألم ينتبه رئيس المحكمة إلى أن المتهم الرئيسي في هذه الجريمة يجلس في الصفوف الأولى لاحتفالات حزب الله في الضاحية الجنوبية، واضعاً رجلاً فوق رجل؟!. ماذا فعلت المحكمة لملاحقة المتهمين بقتل المواطن هاشم السلمان أمام السفارة الإيرانية الذين يعرف الجميع إلى من ينتمون. لماذا تصرّ المحكمة العسكرية على تطبيق القانون على من تشاء وتدفن رأسها بالتراب تجاه آخرين. ألا يدرك قضاة هذه المحكمة أن التشكيك بنزاهتهم وعدالتهم لم يعد مجرد اتهامات بل تسندها الكثير من القرائن والوقائع؟!>