ختامها مسك

أسئلة في طريق مكافحة حزب الله للفساد
31/05/2018 - بقلم: أواب إبراهي

قبل أسابيع من موعد إجراء الانتخابات النيابية أطلق الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله إشارة البدء لعنوان جديد رفعه في السياسة الداخلية اللبنانية وهو مكافحة الفساد. اعتقد كثيرون أن العنوان هو مجرد لافتة سيتم استثمارها في الانتخابات سرعان ما سيطويها النسيان بعد انتهاء المعركة الانتخابية، لكن حزب الله عاود الحديث عن مكافحة الفساد بعد الانتخابات، وبات عنواناً من عناوين إطلالات الأمين العام للحزب، وتم الإعلان عن خطوات عملية في مشروع الحزب لمكافحة الفساد، وتمّت تسمية أحد النواب مسؤولاً عن الملف، وسيكون تابعاً مباشرة للأمين العام، في دلالة على الأهمية التي يوليها الحزب للملف. 
من المعروف أن حزب الله يمهّد الطريق التي سيسلكها، سواء داخل صفوفه أو بين مؤيّديه ومناصريه وجمهوره، ويحاول إقناع اللبنانيين بصوابية قراره. هكذا فعل حين اجتاح بيروت في أيار 2008، وهكذا فعل حين بدأ التدخل في الأزمة السورية والزجّ برجاله في قرى سوريا ومدنها إلى جانب جيش النظام السوري، وهكذا فعل حين أعلن الحرب على المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري. فكيف سيمهد الحزب طريقه بما خص مكافحة الفساد، وكيف سيهيّئ صفوفه الداخلية ومناصريه لهذا المسار، وكيف يقتنع اللبنانيون بأن مسعى الحزب في كافحة الفساد جدّية؟
الخطوة الأولى المطلوبة من حزب الله لتأكيد عزمه على تنفيذ ما أعلنه بمحاربة الفساد أن يبدأ ببيئته وجمهوره ومناصريه، وأن لا يستثني حلفاءه وأصدقاءه، وهذا أمر إذا حصل فإنه سيمنح الحزب مصداقية كبيرة وتأييداً كبيراً لدى جميع اللبنانيين حتى المختلفين معه بالسياسة، لكن من جهة أخرى قد تكون له تبعات سلبية على الحزب نفسه. 
فكيف سيقنع حزب الله جمهوره في الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب بأنه قرر مواجهة الفساد، في حين أن الآلاف من هذا الجمهور مطلوبون للعدالة بجرم تصنيع المخدرات والاتجار بها وترويجها وسرقة السيارات وتهريبها!! كيف يمكن الحزب النجاح في مكافحة الفساد وهو سيواجه منظومة عشائرية معقدة تقوم على مقولة «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، فهل سيكون بإمكان الحزب مواجهة الخزان البشري الذي يمدّ به النظام السوري بالمقاتلين لإجهاض ثورة الشعب السوري؟! كيف يمكن الحزب أن يقنع اللبنانيين بأنه يريد مواجهة الفساد بينما لم يقدم على أي خطوة باتجاه هذه المواجهة، أقله تسليم المطلوبين للعدالة إلى القضاء. 
أزمة حزب الله لن تكون مع أهله وجمهوره فقط، بل ستكون مع حلفائه وأصدقائه. فمن المعروف أن مؤسسات الدولة وإداراتها تعاني في كل زاوية من فساد وهدر ورشوة ومحسوبيات وسرقات، ومن المعروف كذلك أن حركة أمل تحظى بنفوذ كبير داخل هذه الإدارات، وتحظى كذلك بنسبة كبيرة من المخالفات في إدارات الدولة، فهل سيجرؤ حزب الله على الاقتراب من هؤلاء، وهل سيكون لذلك في حال حصوله انعكاس على الشراكة في الثنائية الشيعية وعلى علاقة الحزب بدولة الرئيس نبيه بري؟!
وماذا عن فريق رئيس الجمهورية، هل سيكون حزب الله مستعداً للاقتراب منهم والإشارة إلى مكامن الفساد فيهم. هل يجرؤ حزب الله على أن يرفع الصوت ويقول إن أحد أوجه الفساد يكمن بأن يكون صهرا رئيس الجمهورية وابن أخته في مجلس النواب وأن يمهد الرئيس لتكون ابنته في مجلس الوزراء؟! هل يمكنه أن يرفع الصوت اعتراضاً على أداء حزب رئيس الجمهورية الطائفي الاستفزازي في التعيينات والتلزيمات والتنفيعات؟
من المسلّم به أن حزب الله هو الحزب الأكثر تنظيماً وتخطيطاً في لبنان، ومن المعروف كذلك أن الحزب يدرس خطواته جيداً، فهل تدرك قيادة الحزب خطورة الحركشة بعشّ الدبابير إذا ما نفّذت فعلاً مسعاها بمحاربة الفساد؟ وهل تدرك هذه القيادة أن هذه المعركة ستكون أكثر صعوبة وتعقيداً من مواجهة العدوّ الإسرائيلي في جنوب لبنان ومن التدخل في سوريا والعراق واليمن والكويت ونيجيريا.. فالفساد والدولة باتا كياناً واحداً، وإذا ما أراد أحد مواجهة الفساد فإنه سيجد نفسه بمواجهة شبكة معقدة من المصالح العابرة للطوائف وللخلافات السياسية، وربما يجد نفسه بمواجهة أصدقائه وحلفائه قبل خصومه.