الأمان اللبناني

عرقلة تشكيل الحكومة.. هل هي محاولة للانقلاب على اتفاق الطائف؟
28/06/2018

تبدو المشاورات الجارية بين الرئيس المكلف سعد الحريري والقوى السياسية الرئيسية لإنجاز التشكيلة الحكومية في أسرع وقت ممكن كأنها تدور في حلقة مفرغة بعد أكثر من شهر على عملية التكليف.
وإذا كان البعض يعتبر أن المشاورات الحكومية ما زالت في إطار المهلة الزمنية المقبولة لتشكيل الحكومة، فإن هناك أصواتاً كثيرة تحذّر من المماطلة في عملية تشكيل الحكومة، لأن الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبنانيين لا يتحمل الترف السياسي القائم بين مختلف القوى السياسية حول عملية تشكيل الحكومة.
في ظل هذه الأجواء السياسية التي ترافق الجهود التي يبذلها الرئيس سعد الحريري لإنجاز التشكيلة الحكومية في أسرع وقت ممكن، تظهر تساؤلات عن أسباب العراقيل السياسية وغير السياسية التي توضع أمام الرئيس المكلف.
هل هذه العراقيل مرتبطة فقط بنتائج الانتخابات النيابية وطبيعة الأحجام السياسية التي أفرزتها هذه الانتخابات؟
هل عملية العرقلة الممنهجة التي يمارسها الوزير باسيل والتيار الوطني الحر أمام الرئيس سعد الحريري طبيعية أم مرتبطة باتفاق الطائف وصلاحيات رئيس الجمهورية؟
هل التركيز على مبدأ العهد القوي والرئيس القوي وتسمية كتلة التيار الوطني الحر النيابية «تكتل لبنان القوي» على علاقة بما يواجهه الرئيس سعد الحريري من عراقيل طبيعية ومصطنعة؟
أسئلة كثيرة تدور في الأوساط السياسية اللبنانية المعنية مباشرة بعملية تشكيل الحكومة وتلك التي تخشى على لبنان من التداعيات السياسية والاقتصادية لعملية الابتزاز السياسي الذي يتعرض له الرئيس سعد الحريري من قبل الوزير باسيل والتيار الوطني الحر.
البداية أولاً من الوضع الحكومي في ما يتعلق بعملية توزيع الحصص بين القوى السياسية الرئيسية.
منذ تكليف الرئيس سعد الحريري عملية تشكيل الحكومة الجديدة في الرابع والعشرين من شهر أيار الماضي تسير هذه العملية في إطار تراجعي رغم كل الدعوات والتحذيرات من خطورة تأخير تشكيل الحكومة على الوضعين السياسي والاقتصادي.
فالعقد السياسية ما زالت على حالها. التيار الوطني الحر يريد ستة مقاعد وزارية، من بينها الدفاع والخارجية بعيداً عن حصة الرئيس عون الوزارية التي حددت بـ3 مقاعد وزارية، وهو ما يعني عملياً امتلاك الرئيس عون والتيار الوطني الحر منفرداً الثلث المعطل في الحكومة، وإذا أضفنا إليهم المقاعد الوزارية للثنائي الشيعي وهي 6 مقاعد بالإضافة الى المقاعد الوزارية لتيار المردة والمطالبة بمقاعد لما يسمى المعارضة السنّية، فهذا يعني أن رئيس الحكومة سيصبح مكبلاً من جميع الجهات أو بالتالي يمكن فهم إصرار الرئيس الحريري على إعطاء «القوات اللبنانية» 4 مقاعد وزارية والحزب التقدمي الاشتركي 3 مقاعد وزارية رغم الرفض الذي يبديه الوزير باسيل لهذه الطروحات.
لكن خلف عملية «الشانتاج» الحكومية الدائرة حول المقاعد الوزارية تبدو عقدة ظاهرة للعيان يحاول البعض إخفاءها فيما يعبر عنها بكل صراحة وليد جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي. هذه العقدة هي اتفاق الطائف الذي اعتُمد دستوراً للبنان منذ عام 1989.
ومن المعروف للجميع أن أكثر معارض لاتفاق الطائف هو التيار الوطني الحر الذي يعتبر أنه أخذ صلاحيات رئيس الجمهورية وأعطاها لرئيس الحكومة ومجلس الوزراء مجتمعاً، ولذلك تبدو معارضة الوزير باسيل لما يطرحه الرئيس سعد الحريري من صيغ حكومية وكأنها محاولة لإرساء أعراف سياسية تتعارض مع اتفاق الطائف بحيث يصبح اتفاق الطائف عملياً وكأنه غير موجود.
وهذه الممارسات تظهر في التشديد على مقولة الرئيس القوي والعهد القوي، وهو ما يتعارض مع اتفاق الطائف، لأنه بعد الطائف السلطة التنفيذية هي بيد مجلس الوزراء مجتمعاً برئاسة رئيس الحكومة.
والوزير باسيل بعد التسوية السياسية مع الرئيس الحريري التي جاءت بالعماد عون رئيساً للجمهورية يتصرف وكأنه الآمر الناهي في الحكومة بعيداً عن الرئيس سعد الحريري ومجلس الوزراء، فهو يعرقل التعيينات في إدارات الدولة بحجة عدم التوازن الطائفي، مع أن التوازن مشروط في موظفي الفئة الأولى بحسب اتفاق الطائف، وقد أثار الوزير باسيل أخيراً إشكالية كبيرة مع الأمم المتحدة بسبب الموقف من عودة النازحين السوريين، رغم أن موقف الحريري مغاير لموقف باسيل لناحية العودة الفورية للنازحين السوريين، ورغم ذلك يتصرف الوزير باسيل وكأنه هو صاحب القرار في البلد.
ويبدو أن استجابة الرئيس سعد الحريري طوال الفترة الماضية التي سبقت الانتخابات النيابية لمطالب الوزير باسيل والتيار الوطني الحر انطلاقاً من الحفاظ على التسوية السياسية والوضع الحكومي قد أعطت رسالة خاطئة للتيار الوطني الحر مفادها أن الفرصة مناسبة لإلغاء اتفاق الطائف عملياً، وهذا هو لبّ الأزمة الحكومية حالياً.
باختصار، لبنان أمام مفترق طرق أساسي، إما يُعاد الاعتبار لاتفاق الطائف والتوازنات السياسية القائمة في البلد عبر الحكومة الجديدة، وإما يحصل الانقلاب على اتفاق الطائف ويصبح في خبر كان.}
بسام غنوم