بسام غنوم

عرقلة تشكيل الحكومة ... عقد معلنة و حسابات داخلية واقليمية

مازالت عملية تشكيل الحكومة الجديدة في دائرة المراوحة بسبب تمسك كل فريق بمطالبه الوزارية , لناحية الحصص وطبيعة الحقائب السيادية والغير سيادية . ورغم تعثر الاوضاع الاقتصادية في البلد , و ارتفاع صرخة الناس و الهيئات الاقتصادية من الضرر الذي يسببه التاخير في تشكيل الحكومة الجديدة , الا ان بعض الفرقاء مازال يراهن على الوقت من اجل قبول الرئيس الملكلف سعد الحريري بكل مطالبه السياسية و الوزارية .

في ظل هذه الاجواء, كان لافتاﹰ ان النقاش او بالاحرى الخلاف حول تشكيل الحكومة الجديدة ﺃخذ ﻣﻨحاﹰ ﺂخر بعيداﹰ عن الحصص الوزارية التي يطالب بها هذا الفريق او ذاك , حيث عاد النقاش الى الصلاحيات الرئاسية و اتفاق الطائف , وهنا سجل دخول الوزير جريصاتي على خط الخلاف على صلاحيات رئاسة الجمهورية بعد اتفاق الطائف , واعتبر في رسالة قانونية نشرتها الصحف ان المهلة المعطاة للرئيس الملكلف تشكيل الحكومة "ليست مفتوحة ويمكن لرئيس الجمهورية اتخاذ المبادرة انطلاقاﹰ مما يعطيه اياه الدستور من صلاحيات" . وغير بعيد عن رسالة الوزير جريصاتي اعتبر السيد حسن نصر الله ان "بعض اوساط 14 اذار في مقالات او مقابلات تقول ان السبب الحقيقي لتاجيل تشكيل الحكومة ليس الاحجام التي هي حجج لتاجيل التشكيل , بل السبب ان في ايلول المحكمة الدولية تريد ان تصدر قرارها" و توجه للذين يراهنون على ذلك بالقول : " لا تلعبوا بالنار " .

واضافة الى هاتين النقطتين كانت عودة العلاقة مع النظام السوري ﺃبرز النقاط التي يتم الحديث عنها من قبل "حزب الله" و التيار الوطني الحر من الباب الاقتصادي . و السؤال الذي يطرح نفسه هو : هل الخلاف حول تشكيل الحكومة هو حول الحصص الوزارية ام ابعد من ذلك بكثير ؟؟

بعد مرور ثلاثة اشهر على تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة , تبدو الخلافات الظاهرة حول الحصص الوزارية و حتى موضوع تمثيل النواب السّنة من خارج تيار المستقبل انها مجرد خلافات ظاهرة لخلاف ﺃعمق بكثير بين القوى السياسية الكبرى في لبنان . فالتيار الوطني الحر ومعه "حزب الله" و حلفاؤه يريدون تجيير فوزهم بالاكثرية في الانتخابات النيابية من اجل فرض اعراف سياسية غير دستورية سواء فيما يتعلق بصلاحيات رئاسة الجمهورية و اتفاق الطائف , وتحديداﹰ صلاحيات رئاسة الحكومة , وهذا مطلب قديم ﻟ "حزب الله" و التيار الوطني الحر اللذين كانا من اشد المعارضين لاتفاق الطائف حين صدوره عام 1989, وتؤكد الممارسة الجارية اليوم ان محاولة الانقضاض على اتفاق الطائف تتم بهدوء وعبر اساليب مبتكرة , وفي اخر المحاولات رسالة الوزير سليم جريصاتي التي اعتبر فيها ان المهلة المعطاة للرئيس المكلف تشكيل الحكومة "ليست مفتوحة ويمكن لرئيس الجمهورية اتخاذ المبادرة انطلاقاﹰ مما يعطيه اياه الدستور من صلاحيات", وترافقت هذه الرسالة مع حديث عن توجه الرئيس عون الى توجيه رسالة الى المجلس النيابي او الشعب اللبناني حول اسباب ﺗﺃخير تشكيل الحكومة الجديدة , وهو ما يضع الرئيس الحريري تحت ضغوطات من اجل قبول ما يطالب به التيار الوطني الحر و "حزب الله" , والتنازل عن صلاحياته التي اعطاه اياها اتفاق الطائف .

وغير بعيد عن المحاولات الجارية للانقضاض على اتفاق الطائف عبر فرض اعراف سياسية وصلاحيات غير دستورية برز مجدداﹰ موضوع المحكمة الدولية , حيث جعله السيد حسن نصر الله احد اﻷسباب الرئيسية لعرقلة تشكيل الحكومة الجديدة وقال :"ان بعض اوساط 14 اذار في مقالات او مقابلات تقول ان السبب الحقيقي لتاجيل تشكيل الحكومة ليس الاحجام التي هي حجج لتاجيل التشكيل , بل السبب ان المحكمة الدولية في ايلول تريد ان تصدر قرارها " و توجه الى هؤلاء بالقول :"لا تلعبوا بالنار " , و الغريب في الموضوع ان السيد نصر الله استند الى مقالات ومقابلات , ومثل هذه المواقف في موضوع المحكمة الدولية لم تصدر لا سراﹰ ولا علانية عن الرئيس سعد الحريري او تيار المستقبل او عن الاوساط القريبة من تيار المستقبل مما يترك علامات استفهام كبيرة حول ربط التاخير بتشكيل الحكومة, وكذلك ايضاﹰ التهديد بعدم اللعب بالنار .

تبقى نقطة العلاقة مع النظام السوري يجري تداولها من الباب الاقتصادي , التي هي بحسب البعض محاولة من قبل حلفائه في لبنان لكسر الحصار المفروض عليه عربياﹰ و دولياﹰ من الباب اللبناني , وبذلك يكون موضوع العلاقة مع النظام السوري احد الركائز التي يعتمد عليها من اجل تطبيع العلاقات اللبنانية-السورية مجدداﹰ .

باختصار, موضوع تشكيل الحكومة الجديدة دخل في بازار سياسي كبير مرتبط ارتباطاﹰ وثيقاﹰ بالصراعات الاقليمية و الدولية الدائرة في المنطقة , وهذا ما يجعل موضوع تشكيل الحكومة معقداﹰ , و الحلول مؤجلة حتى اشعار اخر .

بقلم: بسام غنوم