بسام غنوم

دخلت عملية تشكيل الحكومة الجديدة شهرها الثالث، وما زالت العقد التي تحول دون الاتفاق على تأليف الحكومة على حالها، وما زال الرئيس المكلف سعد الحريري يبحث عن أفضل الصيغ التي تسمح بمشاركة كل الكتل الرئيسية في الحكومة بما يضمن قيام حكومة وحدة وطنية تمثل الجميع، وتستطيع التصدي للتحديات التي تواجه لبنان على الصعيدين الداخلي والخارجي.
لكن يبدو أن العرقلة الممنهجة في عملية تشكيل الحكومة التي يواجهها الرئيس سعد الحريري تخفي إصراراً من قبل التيار الوطني الحر و«حزب الله» على قيام حكومة على قياسهم بكل معنى الكلمة.
فقد تحدث رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد عن «موازين الأحجمام أظهرتها نتائج الانتخابات النيابية ويظهرها الواقع يومياً، فلماذا لا نعتمد هذا المعيار؟»، وهو نفسه الموقف الذي أطلقه الوزير جبران باسيل الذي قال: «الانتخابات جرت على أساس قانون نسبي، وتم الاتفاق الوطني على تشكيل حكومة وحدة وطنية، فلا نستطيع اللجوء إلا الى المعايير الواحدة في تأليف حكومة الوحدة الوطنية». ويعكس هذا الكلام رغبة صريحة في تشكيل «حكومة أكثرية» تحت غطاء «حكومة وحدة وطنية» تكون الكلمة فيها أولاً وأخيراً للفريق الموالي لـ«حزب الله» والتيار الوطني الحر وتمثل انقلاباً على الدستور واتفاق الطائف.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تنجح الضغوط على الرئيس الحريري لتشكيل حكومة كما يريدها التيار الوطني الحر و«حزب الله»، أم يصمد الحريري ويشكل حكومة وحدة وطنية؟
تبدو الضغوط التي تمارس على الرئيس الحريري من قبل الوزير جبران باسيل و«حزب الله» متعددة ومتنوعة، فمن ناحية، هناك إصرار على حصة وزارية للتيار الوطني الحر من 7 وزراء و5 أو 4 وزراء للرئيس عون في مقابل مقعدين للحزب التقدمي الاشتراكي و3 أو 4 مقاعد وزارية لحزب القوات اللبنانية، وإذا أضفنا إلى ذلك عقدة النواب السنّة المستقلين نكون أمام عقد متداخلة يصعب التفاهم حولها وحلها، وهذا هو الواقع منذ الرابع والعشرين من شهر أيار الماضي، تاريخ تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة.
ويبدو انه بعد رفض الرئيس سعد الحريري للضغوط الممارسة عليه من قبل التيار الوطني الحر و«حزب الله»، بدأت مرحلة جديدة من الضغوط عبر الحديث عن «حكومة أكثرية وليس حكومة وحدة وطنية ينبغي أن تكون انعكاساً لإرادة شعبية متمثلة بمجلس النواب»، على حد تعبير الوزير جبران باسيل الذي يرفض بكل إصرار تمثيلاً وزارياً وازناً للحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية، بحجة نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، وهو موقف أعلنه النائب محمد رعد الذي اعتبر أن «موازين الأحجام أظهرتها نتائج الانتخابات النيابية ويظهرها الواقع يومياً، فلماذا لا نعتمد هذا المعيار؟»، وأضاف: «ومن هنا نحن ندعو الى حكومة تضامن وطني يتمثل فيها مختلف الفرقاء اللبنانيين كل بحجمه.. فلماذا لا نعتمد هذا المعيار؟».
وهذا المعيار الانتخابي الذي يريده «حزب الله» والتيار الوطني الحر يعني قيام حكومة لبنانية تمثل امتداداً لسيطرة فريق من اللبنانيين على مفاصل الدولة كافة، ابتداءً من رئاسة الجمهورية مروراً بالمجلس النيابي وصولاً إلى الحكومة الجديدة، وهو ما قد يشكل انقلاباً سياسياً بكل ما في الكلمة من معنى على اتفاق الطائف والدستور الذي أعاد توزيع السلطات بين مختلف الطوائف اللبنانية بما يضمن الأمن والاستقرار في لبنان.
لكن هل يصمد الرئيس الحريري في وجه الضغوط الممارسة عليه من قبل الوزير باسيل و«حزب الله»؟
الحسابات السياسية لفريق «حزب الله» والتيار الوطني الحر كانت تعتمد على التسوية السياسية التي جاءت بالرئيس سعد الحريري رئيساً للحكومة قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، وعلى المواقف والتنازلات التي قدمها الرئيس الحريري تحت عنوان حماية الأمن والاستقرار في البلد.
لكن على ما يبدو، فإن الرئيس سعد الحريري، بعد نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة أعاد ضبط حساباته السياسية بما يتناسب مع الواقع السياسي اللبناني، لأنه أدرك ان هناك محاولة للانقلاب على اتفاق الطائف عبر التأسيس لأعراف سياسية جديدة. مثل «الثلث المعطل» و«صلاحيات رئيس الجمهورية»، وفرض أمر واقع على اللبنانيين في ما يتعلق بـ«سلاح حزب الله» وتطبيع العلاقة مع النظام السوري، وكلها أمور يبدو أن الرئيس سعد الحريري يريد مقاربتها بطريقة مختلفة عن السابق حتى لا يحدث اختلال بالتوازن الوطني بين اللبنانيين، ولذلك يبدو مصراً على تشكيل حكومة وحدة وطنية يتمثل فيها الجميع بما يسمح بقيام توازن وطني فعل يحمي الأمن والاستقرار في لبنان.
باختصار، عملية تشكيل الحكومة دخلت في مسار حساس كل فريق متمسك في موقفه في مقابل موقف الطرف الآخر، والرهان هو على صمود الرئيس الحريري في مواقفه. فهل يبقى الرئيس الحريري صامداً في مواقفه إلى النهاية؟}
بسام غنوم