بسام غنوم

لم تحجب عطلة عيد الفطر المبارك، وانطلاق مباريات كأس العالم لكرة القدم في روسيا، حركة الاتصالات لتشكيل الحكومة الجديدة. وإذا كان ذلك في الظاهر مؤشر خير للبنانيين بأن أهل السلطة جادون في إنجاز التشكيلة الحكومية الجديدة في أقرب وقت ممكن لمعالجة الأزمات الاقتصادية والأمنية التي يواجهها لبنان، فإن السجالات القائمة بين القوى الرئيسية حول الحقائب الوزارية والحصص، والاتهامات المتبادلة بين مختلف الفرقاء وخصوصاً بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط والوزير جبران باسيل حول الصلاحيات والحصص الوزارية والذي وصل الى حد نبش الذكريات السيّئة لـ«حرب الجبل»، كشف أن الأمور بخصوص تشكيل الحكومة الجديدة ليست على ما يرام، وأن الاهتمام الحاصل بخصوص الإسراع بتشكيل الحكومة إنما هو من أجل فرض معادلات سياسية جديدة تتعارض بكل ما في الكلمة مع «اتفاق الطائف» الذي تجري عملية التفاف حوله من قبل التيار الوطني الحر تحت مسمى الرئيس القوي، والعهد القوي، ولعل ذلك ما دفع الوزير غازي العريضي إلى القول: «بعد الطائف لم يعد رئيس الجمهورية هو من يحكم البلاد، وأي تنازل من رئيس الحكومة عن صلاحياته لا يلزم الخروج عن مفهوم الدستور وما يمليه في هذا الشأن».
في ضوء هذا التوقع، ما أبرز العقبات التي تواجه عملية تشكل الحكومة الجديدة، وما الدور الذي يؤديه الرئيس الحريري في هذا المجال؟
لعل أبرز العقبات التي تواجه عملية تشكيل الحكومة الجديدة هي الدور المتضخم للوزير جبران باسيل والتيار الوطني الحر، فالوزير باسيل يتصرف كأنه الآمر الناهي في كل الملفات الداخلية والخارجية، بدءاً من ملف اللاجئين السوريين وما أثاره موقفه من ردود فعل غاضبة، سواء من المفوضية العليا للاجئين، وحتى من الاتحاد الأوروبي الذي عبّر عنه السفير الألماني في لبنان مارتن هوث بالقول، إن «المجتمع الدولي مستاء من الاتهامات الكاذبة المتكررة له بأنه يعمل لتوطين النازحين في لبنان». والغريب في الأمر أن الرئيس الحريري الذي يبدو أنه لا يوافق على المقاربة السياسية التي يقوم بها الوزير باسيل بخصوص موضوع اللاجئين السوريين، لم يردّ على الوزير باسيل مباشرة، بل ترك الأمر لمفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان الذي قال في خطبة العيد: «لست أدري كيف تكون هناك إدارات سياسية متعددة في هذا البلد الصغير، كيف يقرر فرد أو طرف في مسألة خطيرة كهذه، كأنما ما عادت هناك حكومة عندها سياسة واحدة في الداخل وإزاء الخارج، بل صارت لكل طائفة إدارتها السياسية».
وإذا كان الرئيس الحريري لاعتبارات متعلقة بالتسوية السياسية القائمة مع التيار الوطني الحر لا يريد الدخول في مواجهة مباشرة مع الرئيس عون والوزير باسيل، فإن باقي القوى السياسية لا تشاركه هذا التوجه، فالحزب التقدمي الاشتراكي (بلسان وليد جنبلاط) اعتبر أن «العهد فاشل منذ بدايته»، وقد أثار هذا الموقف عاصفة من الردود بين الحزب التقدمي الاشتراكي والتيار الوطني الحر، إلا أن الرسالة التي أرادها وليد جنبلاط من تغريدته كانت على ما يبدو مزدوجة تجاه الرئيس عون وأيضاً تجاه الرئيس الحريري، وهو ما عبر عنه غازي العريضي بالقول: «بعد الطائف لم يعد رئيس الجمهورية هو من يحكم البلاد، وأي تنازل من رئيس الحكومة عن صلاحياته لا يلزم القوى السياسية الأخرى بالخروج عن مفهوم الدستور وما يمليه في هذا الشأن». وهذا الموقف من العهد والوزير باسيل ينسحب على الرئيس نبيه بري الذي يبدي انزعاجه من مواقف الوزير باسيل ومن الرئيس سعد الحريري على حد سواء، وقد عبر الرئيس بري عن موقفه من عملية تأليف الحكومة بالقول: «ثمة أسباب داخلية وخارجية تؤخر التأليف، ولا مؤشرات ايجابية تشير الى الجديدة المطلوبة، وإذا تأخرت في الأيام العشرة المقبلة نصبح في وضع صعب. قلنا لهم يا جماعة الخير عجلوا، لكن لا يبدو أنهم مستعجلون».
ويبدو أن الرئيس الحريري حريص على التسوية السياسية القائمة مع الرئيس عون والتيار الوطني الحر أكثر من حرصه على الاستعجال في عملية تأليف الحكومة الجديدة، وعلى العلاقة مع باقي القوى السياسية، ولعل هذا الموقف مرتبط بحسابات خارجية للرئيس الحريري، أو بحسابات داخلية بعد نتائج الانتخابات النيابية التي أدت الى تقليص حجم كتلته النيابية.
على كل حال، تمر عملية تشكيل الحكومة الجديدة بمخاض عسير على كل المستويات، وإذا لم تتوافر النيات الطيبة لدى مختلف الفرقاء فإن عملية التأليف قد تطول الى أبعد مدى.}