الأمان اللبناني

الخلاف على مرسوم ترقية الضباط.. هل يفتح الباب لإعادة النظر باتفاق الطائف؟
12/01/2018 - بسام غنوم

دخل الخلاف بين الرئيسين عون وبري حول مرسوم ترقية دورة ضباط عام 1994 في متاهة الخلافات الطائفية والمذهبية، في ظل تمسك الرئيس عون بالمرسوم، وتكراره التأكيد أنّ على «المعترضين على صدور مرسوم الأقدمية لضباط دورة 1994، مراجعة الجهات القضائية المختصة التي تتولى النظر في الخلافات التي تنشأ نتيجة صدور مراسيم عن السلطة التنفيذية»، وهو ما استوجب رداً من المكتب الإعلامي لرئاسة مجلس النواب جاء فيه: «ان الذي حصل ليس مجرد إشكالية قانونية في مرسوم يطعن به أمام مجلس الشورى، وانما مخالفة صارخة لقاعدة دستورية تسمى «مداورة الأصول»، بالالتفاف على اختصاص سلطة دستورية ومواد في منتهى الصراحة والوضوح في الدستور ليس أقلها المادتان 54 و56».
وبذلك يتحول الخلاف القائم بين الرئيسين عون وبري الى قضية دستورية تمس «اتفاق الطائف» وصلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في الدستور، وهو ما يفتح المجال واسعاً أمام اتساع الخلاف القانوني الى خلاف حول حقوق الرؤساء والطوائف والمذاهب في مرحلة ما بعد «اتفاق الطائف»، والأخطر من ذلك كله هو حديث البعض عن ان هذا الخلاف حول مرسوم ترقية ضباط دورة 1994 قد يفتح الباب حول المثالثة بدل المناصفة بين المسلمين والمسيحيين كما ورد في اتفاق الطائف.
فهل الخلاف القائم بين الرئيسين عون وبري مجرد خلاف قانوني ودستوري حول مرسوم الضباط، أم هو مدخل لإعادة النظر في اتفاق الطائف؟
قد يرى البعض ان الخلاف حول مرسوم ترقية ضباط دورة عام 1994 بين الرئيسين بري وعون خلاف له عنوان قانوني ودستوري، وله أيضاً عناوين سياسية نظراً الى انعدام الكيمياء بين الطرفين منذ ما قبل انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، لأن الرئيس عون كان دائماً يشكك بشرعية المجلس النيابي ويعتبره مجلساً غير شرعي، لأن المجلس النيابي مدد لنفسه عدة مرات، وهو ما كان يثير حفيظة الرئيس بري الذي أعاد تأكيد شرعية المجلس في جلسة انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية في 31 تشرين الأول 2011، إذ حرص الرئيس بري على تذكير العماد عون بشرعية المجلس النيابي بالقول للعماد عون: «واسمح بداية أن أتوجه بالشكر لهذا المجلس النيابي بالتحديد،... يسرني يا فخامة الرئيس أن أرحب بكم تحت قبة البرلمان الذي أنت أحد أركان شرعيته اليوم وقد أنجز مجلس النواب اللبناني الاستحقاق الرئاسي بانتخابكم».
لكن يبدو أن الأمور أبعد من ذلك بكثير، فالرئيس نبيه بري يشعر بأن هناك محاولة للالتفاف على اتفاق الطائف من قبل العماد عون والتيار الوطني الحر، عبر التركيز على موضوع حقوق المسيحيين، وصلاحيات رئاسة الجمهورية، وهو ما يعبّر عن نفسه بكل وضوح في مرسوم ترقية ضباط دورة عام 1994، حيث إن هؤلاء الضباط هم من الضباط المسيحيين، وهي قضية تضاف الى قضايا أخرى تثار دائماً عند كل قضية تتعلق بالتشكيلات الإدارية أو التعيينات في إدارات الدولة المختلفة.
فبحسب اتفاق الطائف إن المناصفة بين المسلمين والمسيحيين هي حصراً في موظفي الفئة الأولى في إدارات الدولة، لكن بعد انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية، وفي ظل رئاسة الوزير جبران باسيل للتيار الوطني الحر تحول الأمر الى المطالبة بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين في الإدارات والمؤسسات الرسمية من قمة الهرم الى القاعدة، وبالتالي لم يعد ممكناً اليوم تعيين موظفين في أي إدارة من إدارات الدولة المختلفة إذا لم يكن الموظفون مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، حتى وصل الأمر الى الاعتراض على تعيين مراقبين للأحداث بسبب الخلل الطائفي كما يرى الوزير باسيل، وهو ما بدأ ينعكس سلباً على العمل في الكثير من إدارات الدولة المختلفة. ولعل هذه القضية هي أحد الوجوه غير المنظورة لقضية الخلاف حول ترقية الضباط، لأن الرئيس بري يعترض على المرسوم انطلاقاً من تطبيق اتفاق الطائف، والتيار الوطني الحر عبر الممارسة في الحكومة يطيح كل ما جاء في اتفاق الطائف، وخصوصاً في ما يتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية.
وفي هذا الإطار تجدر الإشارة الى الدور الذي يمارسه الرئيس سعد الحريري، سواء في معالجة الخلاف بين الرئسين عون وبري أو في ما يتعلق بصلاحيات رئاسة الحكومة.
فالرئيس سعد الحريري بقبوله بمطالبة الوزير باسيل بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين في التعيينات في إدارات الدولة في كل الفئات وليس فقط في الفئة الأولى، وعدم اعتراضه على مثل هذه المواقف، بل قبوله به انما يفرط تفريطاً كاملاً باتفاق الطائف وبما جاء فيه، وخصوصاً في ما يتعلق بصلاحيات رئيس الحكومة التي أناط اتفاق الطائف السلطة التنفيذية به وبمجلس الوزراء مجتمعاً، وهو ما يفقد في الممارسة القائمة حالياً في عمل الحكومة الحالية.
باختصار، الخلاف هو حول مرسوم ترقية الضباط، الذي سبقته خلافات أخرى، وقد تلحقه أيضاً خلافات جديدة بعد فترة بسبب الرفض الضمني لما جاء في اتفاق الطائف من تقاسم للسلطة بين المسلمين والمسيحيين، وهذا ما قد يفتح الباب لاحقاً نحو المثالثة بدل المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. فهل هذا ما يريده البعض للبنان واللبنانيين؟}