الأمان اللبناني

الإسلاميّون في لبنان من الاهتمامات المفتوحة.. إلى اللبننة الخاصة
18/05/2017 - وائل نجم

خلال أسبوع واحد نظّم إسلاميو لبنان مؤتمرين حاشدين حملا العديد من الرسائل السياسية وغير السياسية، وأكّدا الحضور في الساحة الاسلامية اللبنانية بفعالية، خاصة في ظل حالة الاحباط التي تعيشها هذه الساحة في ضوء الصدمات التي تلقتها خلال العقدين الأخيرين.
فقد نظّمت هيئة العلماء المسلمين ( هيئة تضم علماء دين سنّة) مؤتمراً علمائياً في بيروت في أحد فنادق العاصمة، وقد حضر المؤتمر مئات العلماء اللبنانيين (أكثر من 300 عالم دين) الذين ينضوون في إطار الهيئة، وقد وفدوا إلى المؤتمر من مختلف المناطق اللبنانية. والهيئة تضم علماء من مختلف التوجهات الاسلامية، ولكن يغلب على عضويتها، كما هو واضح، العلماء الذين يؤمنون بأفكار سياسية وعلى صلة بحركات «الاسلام السياسي».
لقد جاء تشكيل الهيئة متزامناً مع ثورة الشعب السوري، وأدّت دوراً كبيراً ومهماً، ولا تزال، في الدفاع عن هذه الثورة، وعن حقوق اللاجئين السوريين في لبنان، كما في حمل هم القضية الفلسطينية،  فضلاً بالطبع عن حقوق المسلمين في لبنان، لا سيما قضية الموقوفين الاسلاميين. وقد برزت بشكل واضح في أحداث بلدة عرسال عندما خُطف عدد من الجنود اللبنانيين، وقد قامت حينها الهيئة بدور الوساطة في محاولة لإطلاق سراح الجنود المخطوفين، وقد تعرض علماؤها يومها لمخاطر جمّة كادت تقتل بعضهم عندما تعرضوا لكمين من عدد من المسلحين المجهولين.
لقد كانت الهيئة يومها تقدّم اهتماماتها تلك على الاهتمامات اللبنانية، ولكن اللافت في المؤتمر الأخير الذي انعقد يوم الأحد 7 أيار 2017 أن منسوب الاهتمام بالقضايا الوطنية اللبنانية ارتفع في خطابها، وبات مقدماً على القضايا الأخرى، وباتت تركز أكثر على القضايا اللبنانية، ومصالح المسلمين في لبنان. بل أكثر من ذلك، تبدّلت الصورة النمطية التي كانت مأخوذة عنها وذلك من خلال قيامها بفتح علاقات وصداقات مع مسؤوليين في الحكومة اللبنانية، وحتى مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، وتركيزها على الأمور التي تعتقد أنها تحصّن الواقع اللبناني عن الاختراق الأمني أو الأخلاقي أو الفوضى، وتطالب بقيام دولة المؤسسات والقانون، وهو ما يعدّ تطوراً وتقدّماً في خطاب الهيئة واهتمامها، وهو ما يمنحها مزيداً من الثقة في الوسط الاسلامي وحتى على مستوى الوطن، خاصة أنها لم تناصب المرجعية الدينية الرسمية (دار الفتوى) العداء أو المزايدة، بل أكدت تكاملها مع هذه المرجعية.
وإلى مؤتمر الهيئة، نظّمت الجماعة الاسلامية في لبنان ( تنتمي فكرياً إلى تيار الاخوان المسلمين) مؤتمراً واسعاً يوم الاحد 14 أيار 2017 في قاعة المؤتمرات في البيال ببيروت تحت عنوان «رؤية وطن» بحضور رسمي لممثلي الرؤساء الثلاثة في لبنان (الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة) إضافة إلى وزراء ونواب وممثلي بعثات دبلوماسية وسياسية وحزبية، فضلاً عن كوادرها وقياداتها في المناطق وبلغ عدد الحضور قرابة الف وثلاثمئة شخص، وقد قدّمت أمام وسائل الاعلام والمدعوين رؤيتها للواقع اللبناني، وسبل معالجة هذا الواقع على المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغير ذلك، فضلاً عن رؤيتها للدولة وأجهزتها المختلفة وسياستها الخارجية.
اللافت في مؤتمر الجماعة الإسلامية أن خطابها ورؤيتها جاءت منصبّة بشكل كبير وأساسي على القضايا الوطنية المحلية، وأكدت خلالها لبنانيتها بشكل كامل، وتطلعها إلى قيام دولة مؤسسات تعتمد القانون والمساواة بين المواطنين، وتكون المواطنة هي أساسها، وترفض الانتماء إلى أي من المحاور الاقليمية، وإن كانت تشدد على العداء مع الكيان الاسرائيلي، وعلى أن يبقى لبنان جزءاً من الوطن العربي، ومن الدول التي تساند حق الشعوب في تقرير مصيرها، فكانت رؤية وطنية لبنانية بكل ما للكلمة من معنى، وقد حملت توجهاً جديداً واضحاً يؤكد الانخراط في القضايا المحلية دون إغفال القضايا المركزية الكبرى.
واضح أن الاسلاميين اللبنانيين من خلال هذين المؤتمرين، ومن خلال سلسلة مواقف وإجراءات يتجهون أكثر من ذي قبل إلى لبننة خطابهم الديني والسياسي، وإلى تركيز اهتمامهم على  القضايا المحلية من دون إغفال القضايا الكبرى، وهو ما يضعهم أمام مسؤولية جديدة وجسيمة في آن واحد، فحالة الإحباط التي تعيشها الساحة المسلمة في لبنان تحتاج إلى مشروع جديد يخرجها منها، في وقت يشعر فيه الكثيرون بأن «تيار المستقبل» الذي يتمتع بحضور كبير في الساحة المسلمة السنّية، لم يتمكن من إزالة حالة الإحباط التي تنامت في الفترات الأخيرة لظروف وأسباب كثيرة ليس محل نقاشها هنا، وتعتبر خطوة الاسلاميين في زيادة منسوب اللبننة في خطابهم ومواقفهم واهتماماتهم أملاً لكثير من المسلمين واللبنانيين التوّاقين الى الخروج من حالة الجمود والمراوحة والفساد، ولكن ذلك يؤكد مرة جديدة أن التحدّي كبير أمام الاسلاميين لتأكيد قدرتهم على الاسهام في إنقاذ البلد من أزماته الكثيرة التي أرهقت اللبنانيين وهددت وطنهم بالانهيار أكثر من مرة.}