الأمان الفكري والثقافي

في مصر.. إلى أين تتّجه رياح سدّ النهضة؟
24/05/2018 - محمد الشبراوي

في عام 1903 قدم تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، مشروعاً إلى حكومة بريطانيا في فترة الحماية البريطانية على مصر، لنقل مياه النيل عبر قناة السويس إلى سيناء. ومنها إلى فلسطين، بحجة تنمية شمال سيناء، ولكن رفضت الحكومة المصرية وقتها بشدة، إضافة إلى قلق بريطانيا من تقليص كمية المياه بما يؤثر على زراعة القطن المصري. وقد انتهى هذا المشروع تماماً بالنسبة إلى حكومة مصر وبريطانيا، ولكنه لم ينته بالنسبة إلى الكيان الصهيوني وقياداته.
- على مدار عقود، منذ نشأة الكيان المحتل، عمل الصهاينة على تطويق مصر عبر منابع نهر النيل؛ فوطدت إسرائيل علاقاتها في جميع المجالات الحيوية مع دول النفوذ في منابع نهر النيل، وكانت إثيوبيا هي الدولة الأكثر أهمية.
- في الستينات من القرن العشرين، وضع الخبراء الإسرائيليون والأمريكيون عدداً من الدراسات المائية لإقامة نحو 40 سداً على ضفاف النيل الأزرق، لتحويل مجراه في إثيوبيا، بتمويلٍ من البنك الدولي، بما يؤثر على حصة مصر من مياه النيل. وكانت مواقف رؤساء مصر (عبد الناصر والسادات وانتهاء بمبارك ومرسي) حاسمة تجاه أي تحرك نحو المساس بحصة مصر المائية.
تحولات واضحة
- بعد الثالث من تموز 2013، شهدت مصر تحولات واضحة تجاه ثوابت ما كان أحدٌ من رؤساء مصر أو مؤسساتها الصُّلبة يقبل الاقتراب منها، لتتسم هذه المرحلة بالتراخي غير المفهوم أو المعلل في أمور لا يصلح مطلقاً التعامل معها بهذا المستوى.
- وفي عام 2015، وقع السيسي اتفاقية مبادئ السدّ، في خطوة عدها المحللون والاستراتيجيون تسليماً لإثيوبيا بأن تفعل ما تشاء، وتجاهلاً لكل المحاذير الاستراتيجية بصدد أمن مصر القومي.
- وقد شرعت إثيوبيا في تسريع وتيرة بناء السد، بينما تمارس نفس سياسة إسرائيل التفاوضية (المفاوضات لاستهلاك الوقت وفرض الأمر الواقع). وقد استطاعت إثيوبيا أن تنجز أكثر من ستين في المئة من بناء السد حسب العديد من التقارير.
- في 2016، مصادر هنا وهناك، وتحليلات تقول إن سد النهضة سيُلقي بمصر في أحضان إسرائيل.
- وفي 2017، مصادر تقول إن مصر تطلب وساطة أمريكا، ومصادر أخرى تقول إن مصر تطلب وساطة إسرائيل، دون توضيح أو نفي من قبل السلطات المصرية.
- وفي 2018، تصدّرت وسائل الإعلام والصحافة في مصر مانشيتات تقول: «مصر تعاني نقصاً في المياه»، «خطط لترشيد استخدام المياه»، «وإنشاء أكبر محطة لتحلية مياه البحر في العالم».
- في آذار 2018، قرارات بتقليل المساحات المزروعة بمحاصيل استراتيجية، على رأسها الأرز، غذاء كل بيت مصري. فقد حُظرت زراعة 42 صنفاً من الأرز والذرة والقمح والفول البلدي؛ ترشيداً لاستهلاك المياه.
- ووفقاً للخبراء والمحللين الذين ملؤوا الفضائيات ووسائل الإعلام، صارت العناوين كالتالي: «خيارات مصر باتت محدودة تجاه سد النهضة»، و«انعدام خيارات مصر تجاه سد النهضة»، و«بعد استنفاد خيارات مصر الدبلوماسية والسياسية العمل العسكري هو الحل»، و«الهجوم على سد ّالنهضة غير وارد، والحل العسكري يحتاج توافقاً دولياً».
 - وأخيراً، في 26 نيسان 2018، مصادر تحدثت عن أن مصر تطلب توسط إسرائيل لدى إثيوبيا بشأن سد النهضة.
حقيقة لا فكاك منها
هناك حقائق وثوابت لا تقبل المساومة، ومن هذه الحقائق حقيقة لا فكاك منها، هي أن استراتيجية إسرائيل للبقاء، التي لا تخفى على أحد، لا تقبل بوجود مصر قوية مستقلة بمحيطها العربي والإسلامي. فإسرائيل في وجودها واستمرارها؛ لا تقوم إلا على جثة مصر والأمة العربية والإسلامية.
- إن عقيدة دولة الكيان المحتل تقوم على أن حدود الدولة العبرية المزعومة تمتد من النيل إلى الفرات، وهو ما أشارت إليه كتابات توراتية يهودية، بل إن مدخل الكنيست الإسرائيلي عليه لوحة توراتية مكتوب عليها: «حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل»، وهذا ما يعمل عليه نظام إسرائيل منذ وجودها، ولكن هناك من يضع رأسه في الرمال ولا يريد أن يرى الحقيقة مجردة.
- إن نهر النيل كان ولا يزال أحد الأهداف الاستراتيجية المهمة لدولة الكيان الصهيوني. وقد ظلت لعقود تعمل بلا كلل للاستفادة منه، عن طريق طرح مشروعات لتحويل حصة من مياهه في أنابيب إلى تل أبيب عبر القاهرة، وهو الأمر الذي فشل تماماً في عهد رؤساء مصر السابقين، بمن فيهم الرئيس السادات، صاحب معاهدة السلام مع الكيان، وانتهاء بالرئيسين مبارك ومرسي.
إن سؤالاً مهماً يطرح نفسه، وهو: هل ما حدث في مصر تجاه قضية مياه النيل يحرك رياح سدّ النهضة بما تشتهيه سفينة إسرائيل؟ وهل تحقق إسرائيل في ظل الحالة التي سيقت إليها مصر ما فشلت في تحقيقة على مدار عقود؟
أدعو الله أن تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن، وأن يحفظ مصر وشعبها.}