ياسر محجوب الحسين

لعل الصراعات الدولية والتنافس والتدابر بين الدول يقوم في غالب الأحيان بسبب السعي للاستحواذ والاستئثار بالموارد المالية، بيد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جعل هذا الأمر مبتذلاً وسافراً؛ فالسياسة عنده سلعة وقراراته السياسية تقدر أهميتها بمقدار ما تجلبه أو توفره من أموال. يقول ترامب الذي طعن الفلسطينيين واعترف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، إن بلاده دفعت للفلسطينيين «مئات الملايين من الدولارات سنوياً ولم تحصل على تقدير أو احترام»، وهدد ترامب بقطع المعونات المالية للفلسطينيين!
بعد اعترافه غير الشرعي، أراد ترامب أن يُخضِع أعناق الفلسطينيين للمشاركة في المباحثات مع إسرائيل بشأن السلام المزعوم، المدهش أن المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة إلى إسرائيل تبلغ نحو 2 مليار و800 مليون دولار، بينما تبلغ مساعداتها للفلسطينيين نحو 500 مليون دولار فقط. والناس على دين ملوكهم، فقد عايرت نيكي هيلي سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة أعضاء المنظمة الدولية بالدعم المادي الذي تقدمه بلادها للمنظمة، عندما غضبت من تصويت 128 دولة في الجمعية العامة ضد قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
باكستان لم تسلم من أذى ترامب ومَنِّه، فقد اتهمها بالكذب وخداع الولايات المتحدة، وقال إن بلاده بحماقة منحت باكستان أكثر من 33 مليار دولار كمساعدات خلال الـ 15 عاماً الأخيرة. الكاتبة والصحفية الكندية الشهيرة ناعومي كلاين تقول إن ترامب ينتمي إلى المدرسة الرأسمالية المتوحشة، وأضافت، وهي صاحبة الكتاب الأشهر (عقيدة الصدمة)، أن نهج ترامب يمثل ثقافة خطيرة، ولكنها تتجذر في الوقت نفسه. ويعدّ ترامب أول رئيس ملياردير في تاريخ الولايات المتحدة. 
وليس الخوف من تسليع ترامب للسياسية فحسب، وإنما المشكلة في انعكاس سلوكه المالي الملتوي في نشاطه الخاص على هذا التسليع المبتذل؛ فقد سبق لصحف ووسائل إعلام أمريكية أن نشرت أجزاء من الإقرار الضريبي لترامب الذي رفض مراراً نشر نسخة منه للعام الماضي، كما يفعل المرشحون للرئاسة الأمريكية، متعللاً بأسباب واهية. وفضحه شخص أرسل بريداً إلكترونياً لصحيفة نيويورك تايمز متضمناً إقرار ترامب الضريبي الذي أظهر أنه سجل خسارة تقدر بـ 918 مليون دولار حتى يتجنب دفع ضرائب فيدرالية على دخله. وحينها قالت حملته الانتخابية في بيان «إنه تم الحصول على مستند الضرائب المزعوم بشكل غير قانوني»، لكن البيان لم ينكر مضمون التقرير.
على مستوى الاقتصاد الأمريكي في عهد ترامب، فإن نموه لهذا العام سيكون أبطأ، مقارنة بتقديرات سابقة لصندوق النقد الدولي؛ حيث خفض الصندوق معدل النمو الأمريكي المتوقع من 2.3 في المائة إلى 2.1 في المائة خلال عام 2017.
إن ترامب يأمل، ومن ورائه إسرائيل، زعزعة كيان السلطة الوطنية الفلسطينية التي تكونت بموجب اتفاق أوسلو الذي وقعته إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993. ويعلم أنها مجرد كيان إداري مؤقت للحكم الذاتي للفلسطينيين القاطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويذهب جزء مقدر من المساعدات الأمريكية إلى وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين المعروفة اختصاراً بـ(أونروا)، وتقول صحيفة نيويورك تايمز إن الوكالة ستعاني عجزاً في الميزانية في حال توقف التمويل الأمريكي للمنظمة التي تعمل على تقديم الدعم والحماية لنحو 4.7 ملايين لاجئ فلسطيني، مسجلين لديها في الأردن ولبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة منذ نحو 70 عاماً. وظلت إسرائيل في حربها ضد الشعب الفلسطيني تتربص بهذه الوكالة، ففي مطلع العام الماضي (2017) مع وصول ترامب الى السلطة، طلبت من الإدارة الأمريكية قطع المساهمة المالية للأونروا، وطلب نتن ياهو شخصياً من السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة تفكيك الأونروا ونقل خدماتها إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.}