العدد 1437 / 18-11-2020

وهل يكابر في التمسك بها بعد هزيمته

كتب رئيس الوزراء البريطاني بنجامين دزرائيلي في عام 1844، أن العالم محكوم بأشخاص مختلفين اختلافاً شديداً عمّا يتخيلهم الناس الذين لا يعلمون بواطن الأمور، وهذا يعني أنهم ليسوا الملوك أو وزراءهم. وتساءل: مَن هم أولئك الحكام؟ أجاب: هذا سرّ ينبغي معرفته حتى نستطيع السيطرة عليهم ونفرض السلام على العالم. غير أن أحداً، منذ ذلك الحين وإلى مدى غير منظور، لم يشفِ غليل أحد، لا بفكّ السر، ولا بفرض السيطرة عليهم.

يسمي بعضهم هؤلاء "حكومة الظل" أو "الحكومة الخفية" أو "الدولة الموازية"، غير أن مصطلح "الدولة العميقة" هو الآن الأكثر تداولاً، تعبيراً عن هذا "الشيء" الذي يقرّر ماذا يحدث غداً على الكرة الأرضية. وكما أن هذه الكرة مقسّمة إلى دول، ثمّة دولة عميقة في كل دولة، ويبدو أنها تدين بالولاء، إلى حد كبير، للدولة العميقة "العظمى" التي تتحكّم بمصائر بقية الدول، العميق منها والسطحي، إن جاز التعبير.

قد يبدو هذا الكلام أقرب إلى الاستلاب لعقلية المؤامرة، وقد يبدو ضرباً من الخيال، لكن ما يحدث "تحت السطح" عادة يشبه ما يحدث في باطن البحر، فيما يبدو سطحه هادئاً، وحتى "رومانسياً"، وفيما تدور في الأعماق رحى حياة زاخرة بالصراع والعنف.

يقال إن أول من تحدث عن "الحكومة الخفية" هو الرئيس الأميركي الأسبق، ثيودور روزفلت، حين حذّر من هيمنة شبكات مالية على سياسة بلاده. وقبل ذلك، في القرن التاسع عشر، تحدّث الزعيم الألماني بسمارك عن وجود قوى غير مرئية تدير دفّة العالم، أطلق عليها "جماعة ما لا يسبر غوره"، ثم جاء دزرائيلي فقال ما قاله. أما مصطلح "الدولة العميقة"، فوفق أكثر من مصدر، يقال إنه نشأ في تركيا في تسعينيات القرن الماضي، للتعبير عن شبكاتٍ من المجموعات وضباط القوات المسلحة الذين أخذوا على عاتقهم حماية علمانية الدولة التركية، بعد قيامها على يد مصطفى كمال أتاتورك، ومحاربة أي حركة أو فكر أو حزب أو حكومة تهدّد مبادئ الدولة التركية العلمانية. وكان ذلك أول تعريف وظهور لمفهوم الدولة العميقة، ثم ظهر المصطلح بتعريفاتٍ مشابهةٍ في الولايات المتحدة مع إنشاء الوكالة المركزية للاستخبارات الأميركية. وفهم ضمناً أن الدولة العميقة تتمثل بشبكات السلطة السياسية في واشنطن والسلطة الاقتصادية والمالية في "وول ستريت"، التي تعمل على حماية مجموعة من شبكات المصالح المختلفة، وقد نشرت مجلة "سياسات عربية"، التي تصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، دراسة لافتة عن "الدولة العميقة" لأستاذ علم السياسة وشؤون الحكم، في جامعة بوجت ساوند، باتريك أونيل، وكانت بعنوان "الدولة العميقة: المفهوم الناشئ في علم السياسة المقارن"

ويبدو أن الرئيس الأميركي الموشك على مغادرة البيت الأبيض (إن فعلها طواعية!) بعد فوز جو بايدن، في الانتخابات الأميركية الأكثر دراماتيكية في العصر الحديث، هو الرئيس الأميركي الأول الذي استخدم مصطلح "الدولة العميقة"، والأول، في حدود ما يسمح بنشره في وسائل الإعلام، الذي اشتبك مع أذرع هذه الدولة، حتى إنه اتهمها قبل أشهر عبر تغريدة على "تويتر" (المنصة الأثيرة لديه) بأنها تؤخر إعلان التوصل إلى علاج أو لقاح فعال لفيروس كورونا وكوفيد - 19 إلى ما بعد الانتخابات، حيث جاء في التغريدة ما نصه: "الدولة العميقة، أو أي شخص آخر، في إدارة الغذاء والدواء الأميركية، يجعل من الصعب جداً على شركات الأدوية إيجاد أشخاص لإجراء اختبار اللقاحات والعلاجات عليهم. ويبدو أن هذا ما حصل فعلاً، فبعد وقت قصير من إعلان فوز بايدن، وهزيمة ترامب، نشرت صحيفة نيويورك تايمز، يوم 9 شهر تشرين الثاني الجاري، خبراً تناقلته كل وسائل الإعلام، تضمن إعلان شركتي فايزر(Pfizer) وبيونتيك" (BioNTech) أن اللقاح ضد فيروس كورونا الجديد، الذي تعملان على تطويره، "فعّال بنسبة 90%"، بعد التحليل الأولي لنتائج المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، وهي الأخيرة قبل تقديم طلب ترخيصه! وأصدرت شركة فايزر (طوّرت اللقاح مع شركة الأدوية الألمانية بيونتيك) تفاصيل قليلة فقط عن تجربتها السريرية، بناءً على المراجعة الرسمية الأولى للبيانات من لجنة خارجية من الخبراء، وفقاً لما ذكرته الصحيفة.

هذا الحدث الكبير واحد فقط (لكنه كان حاسماً كما يبدو) من تجليات الصراع بين ترامب والدولة العميقة. وفي وسع المرء أن يحصي تغريداتٍ كثيرة للرئيس المهزوم، تتحدث بصراحة عن خلافه مع قوى الدولة العميقة التي جاءت به، كما تجيء بغيره، وتصرفهم كما صرفته، عبر حزمةٍ متنوعةٍ من أذرع القوة الناعمة والخشنة، يصعب التفصيل في الحديث عنها في هذه العجالة!

هل أطاحت الدولة العميقة ترامب؟ يبدو السؤال منطقياً، وجوابه على الأغلب "نعم"، حيث يبدو أن دور الرجل انتهى، ولم يعد يلبي مصالح هذه الدولة، بل ربما غدا عبئاً عليها، ومكلفاً أكثر مما يحتمل. والسؤال الآن: هل حسم الصراع لمصلحة الدولة العميقة، أم أن "البطّة العرجاء" (مصطلح يطلق على الرئيس في الأيام الـ 77 الأخيرة من حكمه التالية للانتخابات) لن تسلّم بالهزيمة، و"ستقاتل حتى النهاية"، كما أشار السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، المقرّب من الرئيس، في تصريح لوسائل الإعلام الأميركية، بعد محادثة هاتفية طويلة مع "الرئيس"؟