محمد بن سلمان.. الحداثة بالمقلوب

بقلم : بشير البكر

يعتقد ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، أن بناء مدينة ترفيه، وفتح الباب للحفلات الفنيّة الراقصة، يكفي كي ينقل المملكة العربية السعودية إلى الحداثة والتقدّم. وربما هو على قناعة بأن ما ينقص هذا البلد التقليدي كي يخلع ثياب المحافظة ويغادر القديم، هو الترفيه فقط، وما تبقى من متطلبات التجديد والتطور لا يناسبه. ولهذا هو لا يريد أن يسمع أو يرى أو يقرأ أن عملية التحديث مسألة ذات أكثر من بعد ووجه، تترابط فيها العناصر في كل الاتجاهات، وهذا أمر لا يتغير باختلاف البلدان والأزمان.

وطالما أن السعودية بلدٌ يمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة، وقرّر أن يبدأ مرحلةً من الانفتاح، فلماذا لا يبحث صاحب القرار قدر المستطاع عن أشكالٍ تناسب الناس اليوم وفي المستقبل؟ أشكال أخرى للمتعة، منها تحصيل المعرفة وتنمية حياة داخلية تساعد على التّفتح.

لا يكفي أن تقف أمام محطة تلفزيون غربية، بمواجهة مذيعة شقراء، لتقول إنك لست وهّابياﹰ، وأن نشر الوهابية حصل في فترة الحرب الباردة، وقامت به السعودية بناءً على طلب الغرب من أجل محاربة الشيوعية في العالم الإسلامي. وبالتالي، فهي انتهت مع سقوط الشيوعية.

أنت تعرف أن هذا غير صحيح، وأن للوهابية مكانا كبيرا في حياة السعوديين، وإذا كنت ترى أن السعودية لا يمكن أن تتطور بالتعايش مع "الشرعيات" السابقة، فإنه غير ممكن أيضا عن طريق حداثة مبتذلة وخاملة، ومنطق "من بعدي الطوفان".

لا ينفعك مهما صرفت من مليارات لتحسين صورتك، ولا تفيدك صداقة الحاكم بأمره في الولايات المتحدة، طالما أنك تتصرّف بطريقة مشوهة داخل بلدك، ومع أهل بلدك الذين حين يطلبون منك الحرية، تردّ عليهم بالسيف.

إذا كنت تبيح للنساء قيادة السيارة، وتعتبر ذلك تنويرا، فلماذا تعتقل امرأةً أخرى تطالب بالحرية، وترميها في السجن، وتهدّد الأخريات بأشدّ أصناف العقوبات؟

لا مبالغة، يقدّم بن سلمان نفسه ملكاﹰ جديدا على هذه الشاكلة في القرن الحادي والعشرين، وربما وجد من بين شباب السعودية، في مثل سنه أو أقل، من يعجبه هذا الأسلوب، لكن الشباب السعودي الجديد يطمح إلى بلدٍ مختلف، يمارس فيه الحرية التي تقوم على الحقوق، وليس على أساس مكرمة من ولي العهد الذي يقول في مجالسه "نحن نعطي السعوديين بإرادتنا، وليس تحت الضغط أو المطالبة"، وهو بذلك يُسقط الحقوق التي ينتظر السعوديون أن ينصّ عليها دستورٌ أساسُه المواطنة.

السيف الذي ترفعه السعودية في حفلات الإعدام العلنية هو نفسه الذي استخدمه الدواعش في سورية والعراق وليبيا، وانتشر في العالم ماركة سعودية مسجلة. هذا ما يعرفه العالم الخارجي الذي يبني محاكماته على أسس المنطق البسيط، وهو غير معنيّ بالمليارات التي يدفعها آل سعود من ثروات الشعب السعودي للرئيس الأميركي الذي لا يحفظ أي تقدير أو ودّ للسعودية وحكامها، بل يحتقرهم في السر والعلن، وكشف عن بعض مواقفه حين زار الرياض، واستقبل مسؤولين سعوديين في البيت الابيض.

لا يكفي أن يعلن ولي العهد السعودي عن نيّه مكافحة الإرهاب، فهذا أمرٌ لا قيمة له، ولا يفيد، إنْ لم يقترن أولاﹰ، بسياسات وإجراءات مدروسة، تذهب بعيدا إلى إصلاح بنية المجتمع السعودي وتركيبته، وهو المجتمع الذي خضع وعاش فترة طويلة في ظل الفكر المتطرّف. وثانياﹰ، لا يمكن أن تتم العملية بقرارٍ من فوق، بل تحتاج إلى إعادة نظر شاملة بالمؤسسات التربوية والثقافية والتعليمية.

ليس الإرهاب في حالة السعودية تهمة، بل هو نتاج تربية مشوّهة، طويلة الأمد، خضعت لها أجيالٌ سعودية، تربّت على أفكار "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ولا يمكن التخلص من هذا الإرث الثقيل بقرارٍ يوقف عمل "الهيئة".