الأمان الدولي

ماذا عن قصة الفساد في العراق؟!
07/12/2017 - عبد اللطيف السعدون

يروي الرئيس السابق لهيئة النزاهة العراقية، موسى فرج، أن موظفاً كبيراً سأل مرجعاً دينياً عمّا إذا كان يجوز له التصرّف بفائض المال العام الذي تحت يديه، بحكم موقعه الوظيفي، يجيبه المرجع الديني بجواز ذلك، شرط أن يدفع حصة «الخمس» لمرجعه. 
تعطي هذه الواقعة المرّة والمثيرة صورة عما يجري في العراق اليوم، حيث إن إطلاق «فتاوى» كهذه، ووجود جمهور عريض يعتقد بما يقوله المرجع، يجعل المال العام سائباً، ويوفر للموظف العمومي القناعة بأنه لا يرتكب جرماً عندما يستبيحه لصالحه، ولعل هذا هو بعض ما دفع «فرج» نفسه إلى فضح حيتان الفساد الذين مارسوا عمليات نهب المال العام، على نحو مبرمج، وحوَّل العراق إلى «دولة هشّة بمؤسساتٍ عرجاء، لا تتمكّن من توفير أبسط الخدمات الأساسية لمواطنيها»، بشهادة منظمة الشفافية الدولية، وتكرّست عبر الزمن معادلة «توظيف السلطة لممارسة الفساد، وتوظيف الفساد لبلوغ السلطة»، بشكلٍ يجعل أية حملة لمكافحة الفساد والفاسدين محفوفة بالمخاطر والأوجاع، وهو أمر وثّقه فرج بالأرقام والوقائع، في كتابه «قصة الفساد في العراق» الذي نشره بعد أن أمضى عشر سنوات في موقعه، قرّر بعدها التخلي عنه والاعتزال، وخرج، كما يقول، دون أن يكون أحد راضياً عنه، لا من الأميركيين، ولا من أفراد الطبقة الحاكمة!
ولكي تنجح أية حملة لمكافحة الفساد، يضع المسؤول السابق لهيئة النزاهة شرط وجود «رأي عام»، يتولى مجابهة الفاسدين ومقاومتهم، وبغير ذلك يؤكد «أن أية عملية لوضع حدّ للفساد لن تفلح»، لكنه، من ناحيةٍ أخرى، لا يقطع الطريق على محاولات رئيس الحكومة، حيدر العبادي، إذا ما توفر له دعم دولي وحراك شعبي في صالحه. وفي هذه الأيام التي يطلق فيها العبادي حملته الجديدة، يبدو أن هذين العاملين متوفرّان أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً أن الأميركيين يريدون استنزاف رجال السلطة الحاليين، وإزاحتهم بما يحقق اختراقاً في «العملية السياسية» الماثلة، يمكنهم من إيصال طاقم جديد إلى مراكز القرار، بعد ثبوت عجز الطاقم الحاكم الحالي عن إيجاد حال استقرار في البلد، وتبعيتهم لإيران. كما أن الحراك الشعبي الذي يرفع شعار اجتثاث الفاسدين من رجال «النخبة» الحاكمة وأتباعهم، ومحاسبتهم، واسترداد ما  نهبوه من مال الشعب، يزداد اتساعاً، وهو ما جعل العبادي واثقاً من قدرته على معالجة هذا الملف الأخطر في مسار الحكم في العراق.
عكست هذ الثقة نبرته الحادة في «أن أمام الفاسدين أحد خيارين: تسليم ما سلبوه للعفو عنهم، أو أن يقضوا حياتهم في السجن». وقد استقدم بالتعاون مع الأمم المتحدة 21 محققاً دولياً، ومنحهم كامل الحرية في فحص الملفات والوثائق في كل الجهات الحكومية التي تستدعيها الحالة، وخوّلهم صلاحية التحقيق مع المسؤولين، مهما كانت مواقعهم، وبعيداً عن ضغوط (وتأثيرات) الأحزاب والشخصيات السياسية التي استنفرت قواها لمواجهة ما قد يشكل إدانة لها، وكما في كل مرة يجري فيها الحديث عن الإصلاح والمراجعة والحساب، يقفز رجال «النخبة» الحاكمة إلى الأمام، ليضعوا أنفسهم في مقدمة الداعين إلى مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين، في محاولة لذر الرماد في العيون، وإبعاد الشبهات عنهم.
ما يشكل قيداً على حملة العبادي هذه سعيُ إيران الحثيث إلى تحجيم الحملة وآثارها، لأنها تخشى من أن تطال بعض رجالها النافذين في العراق، والذين قد تدفع إجراءات محاسبتهم وإدانتهم إلى إزاحتهم عن المشهد السياسي، ما يشكل إضعافاً لنفوذها. ولذلك، تضغط لحمايتهم أو خروجهم بأقل الخسائر، وهو ما مارسته بالفعل في مرة سابقة، حيث حملت العبادي، عند بدء ولايته قبل ثلاث سنوات، على التراجع عن فتح هذا الملف، على الرغم من أنه أعطى وعداً بذلك، وتعهد بالقضاء على الفساد، حتى لو كلفه ذلك حياته. 
بقي أن نعرف أن ما غنمه الحيتان الكبار من مال الشعب يتجاوز ثماني مائة وخمسين مليار دولار، بحسب تقارير معلنة، وهذا لا يشمل طبعاً الهدر في القطاعات المختلفة الذي وصل إلى أرقام فلكية، خصوصاً قطاع النفط والطاقة الذي قارب الهدر فيه رقم التريليون دولار، واعتبرته لجنة الطاقة البرلمانية «أخطر حالة فساد في التاريخ الحديث». 
في النهاية، لا تنسى مقولة فرج الساخرة: «تريدون من موسى فرج أن يجعل العراق خالياً من الفساد؟ إذن عليّ أن أكرّر تجربة هيروشيما وناغازاكي».}