الأمان الدولي

لحماية المناطق الآمنة هل تتدخل تركيا عسكرياً في إدلب؟
05/10/2017 - عمر كوش

 تتزايد المؤشرات على احتمال قيام تركيا بتدخل عسكري في محافظة إدلب السورية، خاصة بعد تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان -في نيويورك- عن عزم بلاده على إرسال قوات إليها، في إطار تطبيق اتفاق «خفض التصعيد» الذي جرى التوافق عليه بين الرعاة الثلاثة (روسيا وتركيا وإيران) في اجتماع أستانا الأخير، وإقرار البرلمان التركي تمديد تفويض الحكومة للجيش التركي بالقيام بعمليات خارج الحدود في العراق وسوريا.
هذا الأمر سبق أن قال أردوغان إنه سيطوّر «الأوضاع الراهنة في مسار مختلف تماماً»، إضافة إلى تزايد حشود الجيش التركي على الحدود السورية المقابلة لمحافظة إدلب، ودخول بعض الوحدات والآليات العسكرية إليها، فضلاً عن تصريحات عدد من قادة فصائل المعارضة السورية المسلحة المنضوية ضمن عملية «درع الفرات»، التي تؤكد تأهبهم واستعدادهم للمشاركة في معركة إدلب.
لقاءات وتفاهمات
ولا شك في أن الرئيس التركي ناقش -خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نيويورك- التفاهم الروسي/التركي/الإيراني، القاضي بإدخال إدلب ضمن مناطق خفض التصعيد، وما يتطلبه ذلك من إمكانية الدخول في مواجهة عسكرية لإرغام قادة «هيئة تحرير الشام» على حلّ تحالفهم العسكري، والابتعاد عن «جبهة فتح الشام».
والجبهة الأخيرة طالبتها جهات كثيرة سورية وغير سورية بحلّ نفسها والدخول في الجيش السوري الوطني، الذي دعا إليه كل من المجلس الإسلامي السوري ورئيس الحكومة السورية المؤقتة، أو على الأقل الابتعاد عن مدينة إدلب والمراكز الحضرية التابعة لهذه المحافظة، وتسليم إدارتها إلى مجالس مدنية منتخبة من السكان.
غير أن الأهم هو ما سيتمخض عن اللقاء الذي جرى بين الرئيس التركي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في أنقرة، وقد نوقشت فيه تفاصيل المعركة المنتظرة، وخاصة الإسناد العسكري الجوي الروسي، وحدود المناطق التي سيتم الدخول إليها. ذلك أن اتفاق أستانا تضمن انتشار قوات روسية وإيرانية في مناطق وجود قوات النظام والمليشيات الطائفية الإيرانية، فيما تنتشر قوات تركية في مناطق وجود الفصائل السورية المعارضة.
وهو ما رفضته «هيئة تحرير الشام» التي استبقت تنفيذ الاتفاق بالقيام بعمليات عسكرية في الريف الشمالي لمحافظة حماة المجاور لجنوب محافظة إدلب، وقوبل ذلك بهجمات جوية وصاروخية روسية مكثفة استهدفت المرافق الحيوية بالمحافظة، وركزت على ما بقي من حواضن لمختلف فصائل المعارضة السورية المسلحة، وطاول القصف الجوي الروسي كافة المرافق المدنية في إدلب ومناطقها.
ورغم معارضة نظام بشار الأسد دخول قوات تركية إلى محافظة إدلب، واعتباره أن اتفاق أستانا لا يعطي الشرعية لوجود القوات التركية في إدلب؛ فإن معارضته لا تمتلك أي مصداقية أو أهمية تذكر، لكون الطرف الروسي هو من يقرر، والنظام ليس لديه سوى تنفيذ ما يقرره الروس والإيرانيون.
في المقابل؛ كان لافتاً دعم المنسق العام للهيئة العليا للتفاوض (رياض حجاب) لأي عمل عسكري مشترك بين تركيا وفصائل الجيش السوري الحرّ ضد هيئة تحرير الشام، ويعكس ذلك مواقف غالبية السوريين في محافظة إدلب، الذين سبق أن خرجوا في مظاهرات عديدة بمدن وبلدات محافظة إدلب، وطالبوا جبهة فتح الشام بالابتعاد عن المراكز الحضرية والكف عن التدخل في إدارة شؤونهم وحياتهم.
تفاهمات الضرورة
ويبدو أن تركيا وجدت نفسها -في الآونة الأخيرة- مضطرة إلى الدخول في سيناريوهات عسكرية، وعقد تحالفات وتفاهمات سياسية ما كانت تفضلها من قبل، خاصة بعد أن أدار لها الظهر حلفاؤها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية.
فقد حجمت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما الدور التركي في سوريا عندما منعت القوات الأميركية وفصائل الجيش السوري الحر المنخرطة في عملية «درع الفرات» من التقدم باتجاه منبج، وذهبت إدارة الرئيس الحالي ترامب في نفس المنحى فأبعدت تركيا ومنعتها من أي دور في معركة السيطرة على الرقة ودير الزور.
بل إن الإدارة الأميركية أسندت مهمة هذه المعركة إلى مليشيات «قوات سوريا الديمقرطية» (YBG)، التي تشكل مليشيات «وحدات حماية الشعب» (الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي)، وهو أمر لاقى معارضة شديدة من المسؤولين الأتراك لأن أنقرة تعتبر هذا الحزب منظمة إرهابية، لكونه يمثل الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني (PKK).
وقد شعر الساسة الأتراك بخذلان حليفهم الأميركي الذي قدم دعماً عسكرياً كبيراً لمليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، ولم يبدِ الساسة الأميركيون أي تفهم لمخاوف تركيا حيال مساعي هذا الحزب للسيطرة على مناطق واسعة بشمالي سوريا، ومخططاته في تشكيل كيان معاد لتركيا، وما يشكله ذلك من تهديد لأمنها القومي. وبالنسبة إلى تركيا فإنها تعني منع قيام كيان معاد لها لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في شمالي سوريا، يمتد من القامشلي في أقصى الشمال الشرقي إلى البحر المتوسط في الشمال الغربي منها.
وفي المقابل؛ هناك تساؤلات عديدة عن ثمن التفاهمات التركية الروسية الإيرانية، وعما إن كانت تقابلها الانعطافة التركية في الملف السوري منذ سيطرة قوات النظام والمليشيات الطائفية الإيرانية على حلب الشرقية، وتضمنت مقايضة تتطلب من القادة الأتراك تخفيف لهجتهم الرافضة لبقاء نظام الأسد، مقابل تفاهمات بدأت بـ«درع الفرات» ووصلت إلى نشر قوات تركية في إدلب.
الأهمية والثمن
تنبع أهمية محافظة إدلب من موقعها الجغرافي المحاذي للحدود التركية، حيث تحاذي من الشمال ولاية أنطاكية (هاتاي) التركية وبلدة عفرين السورية الخاضعة لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وتحدّها من الشرق محافظة حلب، ومن الغرب محافظة اللاذقية الخاضعة لسيطرة النظام السوري، وتضم مناطق حضرية هامة مثل معرّة النعمان وسلقين وحارم وبنش وجسر الشغور وأريحا وسواها.
وتتحدث أوساط إعلامية تركية عن اقتراب موعد العملية العسكرية في إدلب، بالاعتماد على عناصر فصائل الجيش الحر المنضوية تحت «درع الفرات»، والإسناد الجوي الروسي، والهدف منها هو للسيطرة على الجزء الشمالي من المحافظة على طول 120 كيلومتراً وبعمق 30-40 كيلومتراً داخل الأراضي السورية.
وإن تحقق ذلك فإنه سيفضي إلى التخلص من عناصر هيئة تحرير الشام أو إبعادهم عنها على الأقل، والأهم هو قطع كافة الإمدادات عن مليشيات وحدات حماية الشعب الموجودة في عفرين، وبالتالي قطع الاتصال الجغرافي بين كانتونات ما تسمى «الإدارة الذاتية» التي فرضها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بالقوة على سكان تلك المناطق.
هذا إضافة إلى منع احتمال قيام مليشيا الوحدات الكردية بعملية عسكرية في إدلب بإسناد جوي من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، وهو أمر يتلهف إليه قادة حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري، وتحدثوا عن إمكانية قيامهم به مبكراً.
ويُخشى -في حال تنفيذ أي عملية عسكرية بإدلب- أن تحدث كارثة إنسانية كبرى، تضاف إلى الكوارث التي ألمّت بالشعب السوري منذ أن خرج مطالباً باسترجاع كرامته ونيل حريته، إذ ليس أمام غالبية سكان إدلب المدنيين سوى الهروب من حُمّى المعارك إن اشتعلت، واللجوء إلى تركيا التي تحتضن أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري، وسيُثقل كاهلَها لجوءُ أعداد إضافية منهم إلى أراضيها؛ فهل تتحمل تركيا كلفة كل ذلك؟}