العدد 1414 / 20-5-2020

مجدداً، يقفز ملف التظاهرات الشعبية في جنوب ووسط العراق والعاصمة بغداد إلى الصدارة، منافساً ملفات أخرى تواجه حكومة رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي، إذ عادت وبشكل لافت ساحات وميادين التظاهرات في بغداد، ومدن عدة جنوبي البلاد، لتشهد فعاليات جديدة تنذر بعودة أكبر للاحتجاجات، على الرغم من تحذير السلطات الصحية من أنّ وقت ذروة وباء كورونا لم يصل بعد في العراق، وقد تتحوّل تلك التجمعات إلى قنابل عدوى موقوتة.

التظاهرات التي عادت مجدداً بدعوات من لجان تنسيق وناشطين قالوا إنهم يريدون مواصلة الضغط لحين إجراء الانتخابات المبكرة وتنفيذ باقي المطالب، يؤكد مراقبون وسياسيون أنّ الكاظمي سيتعين عليه التعامل معها بحساسية بالغة، لوجود مؤشرات على استغلال جهات سياسية معارضة لحكومته ورقة التظاهرات لتحقيق مكاسب خاصة بها. وأصدر ائتلاف "دولة القانون"، بزعامة نوري المالكي، وحركة "بشائر الخير"، بزعامة ياسر صخيل، وهو صهر المالكي، بيانات منفصلة أخيراً، نفوا فيها تهماً وجهت إليهم بالدخول على خط التظاهرات لتأجيج الساحة الشعبية على حكومة الكاظمي التي رفض المالكي التصويت لها أو دعمها.

وكان قد قتل أول ناشط متظاهر في البصرة، بنيران مجموعة مسلحة، بعد يومين من تشكيل حكومة الكاظمي، في حين أصيب آخرون في واسط وبغداد في الأيام الماضية، على الرغم من أوامر مبكرة من الكاظمي لقوات الأمن بوقف العنف بمختلف أشكاله تجاه المتظاهرين، وإعادة التحقيق في جميع أعمال القمع التي تعرضوا لها منذ مطلع تشرين الأول من العام الماضي.

في السياق، قال مصدر قريب من الكاظمي، إنّ "رئيس الحكومة منع استخدام العنف مع المتظاهرين، وهذا القرار جاء في أول اجتماع له مع القادة الأمنيين ببغداد، ولعل الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة أخيراً أظهرت مدى التغيّر في التعامل الأمني، إذ لم تستخدم القوات العراقية الرصاص الحي ولا قنابل الدخان، وقد عمدت على إبعاد المتظاهرين عن جسر الجمهورية الذي يرتبط بالمنطقة الخضراء بخراطيم المياه والقنابل الصوتية".

من جهته، أشار عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية في البرلمان العراقي، بدر الزيادي، إلى أنّ "أولى القرارات التي أصدرها الكاظمي كانت مرتبطة بالحراك الشعبي، ومنها تشكيل لجنة عليا للكشف عن قتلة المتظاهرين وأخرى مرتبطة بالتظاهرات ومنع استخدام العنف". وأكد، أنّ "أي سلوك عدائي تنتهجه القوات الأمنية ضدّ المتظاهرين، يعني أنه بأوامر مباشرة من الكاظمي، ولا نعتقد أنّ الأخير سيتورط بمثل ما تورطت الحكومة السابقة، ونحن نقف مع الشعب المنتفض وسنكون إلى جانبه".

بدوره، رأى رئيس "مركز التفكير السياسي" في العراق، إحسان الشمري، أن "التظاهرات التي خرجت أخيراً تمّ تحديد موعدها منذ ما قبل منح الثقة لحكومة الكاظمي، وبالتالي فهي تعدّ رسالة ضاغطة على القوى السياسية التي كانت تناور من أجل عدم إيجاد حكومة جديدة، والإبقاء على حكومة عادل عبد المهدي. كما أنها رسالة إلى كل الأحزاب والفصائل المسلحة، ومفادها بأنّ المتظاهرين لم يلمسوا الجدية المرتبطة بالشروع بالإصلاحات الحقيقية وتحقيق مطالبهم". وأكد الشمري، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "المعطيات الأخيرة التي اتضحت من خلال تجدّد الحراك الشعبي كانت إيجابية، كما أنّ طبيعة القرارات التي صدرت عن الكاظمي بشأن عدم استخدام القوة المميتة التي استخدمها عبد المهدي، تؤشر على التعامل الإيجابي والجيد مع الحركة الاحتجاجية".

وتابع الشمري أنّ "الضحايا الذين سقطوا في الأيام الماضية بين صفوف المتظاهرين تتورط في دمائهم بعض الجهات من الفصائل المسلحة، ولكن الأمر الجيد هو سرعة الاستجابة الحكومية التي كانت واضحة بإلقاء القبض على المتسببين باستهداف المتظاهرين، وهو دليل على عدم السماح لاستمرار القتل.