العدد 1406 / 25-3-2020

خمسة أعوام كاملة منذ إعلان التحالف السعودي الإماراتي عن تدخله العسكري في 25 مارس/آذار 2015 باليمن، وهو القرار الذي جاء بطلب من الرئيس عبد ربه منصور هادي لإنهاء الانقلاب الذي قادته جماعة الحوثي، ولكنه وضع البلاد بعد ذلك في عنق الزجاجة كما يقول مراقبون.

فقد باتت الأزمة اليوم أكثر عمقا من تلك اللحظة التي سيطر فيها الحوثيون على صنعاء، بحسب المراقبين، بعد أن تقسم اليمنيون ضمن مشاريع صنعها التحالف نفسه وبعيدة عن الأهداف التي جاء من أجلها "من تمزيق المجتمع إلى الجرائم المتواصلة بحق المدنيين، ومرورا بالسخط الذي بدأ يتعاظم في صدور اليمنيين إلى طرح بعض النخب خيارات للحل، أغلبها لا تنبئ سوى بذهاب ما تبقى من حضور الدولة الشرعية نحو المجهول".

أوضاع مأساوية

وتصف المتحدثة باسم برنامج الصليب الأحمر في اليمن يارا خواجة الوضع الإنساني في اليمن بعد خمسة أعوام من الحرب بالكارثي، وبعد أن وصل اليمنيون إلى حد بات 80%؜ منهم بحاجة إلى مساعدات إنسانية بأشكالها المختلفة.

وبحسب حديث خواجة للجزيرة نت، فإن هناك اليوم عشرين مليون يمني يعانون من نقص في الأمن الغذائي، وأكثر من 19 مليونا لا يستطيعون الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، وأكثر من 17 مليونا محرومون من المياه النظيفة، وفي كل يوم يمر يزداد الأمر سوءا، ولم يعد حتى بإمكان المنظمات الإنسانية أن تستجيب لذلك الكم الهائل من الحاجات.

ولعل أكثر ما يخيف اليمنيين اليوم هو تهديد فيروس كورونا، وما قد يفرضه من تحديات إضافية على النظام الصحي والبنية التحتية التي أنهكتها سنوات الحرب، وفقا للمتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تمزيق المجتمع

ولا تتوقف مآسي الحرب التي كان التحالف السعودي الإماراتي الطرف الأبرز فيها عند الأزمة الإنسانية فحسب، ولكن هناك ما هو أخطر من ذلك كما يقول الباحث والكاتب اليمني محمد المقبلي "بعد أن عمل التحالف بشكل ممنهج على إضعاف الدولة والروافع الوطنية في المقاومة الشعبية، وخلق روافع ألحقت الأذى بالهوية الجامعة للمجتمع اليمني وعملت على تمزيق المجتمع على الصعيد السياسي والاجتماعي".

ويضيف المقبلي للجزيرة نت أن "التحالف خلق مليشيا متطرفة ودفع بقيادات سلفية إلى الواجهة، في محاولة لفرز المجتمع طائفيا، ولولا اليقظة في الخطاب الوطني والفكر الوطني -خصوصا في أوساط الشباب- لحدث أسوأ مما هو حادث من تمزق".

بدوره، يرى الباحث عدنان هاشم أن أهداف التحالف الفرعية في جنوب اليمن مثلت أيضا تمزيقا للهوية الوطنية وبعثا للهويات الفرعية من أجل تحقيق مصالحها، وذلك من خلال الزج بالمحافظات الجنوبية في بؤرة توتر واحتراب داخلي قد يؤدي إلى حروب صغيرة لعقود قادمة.

وبحسب حديث هاشم للجزيرة نت، فقد ساهم التحالف بتجريف الهوية الوطنية خلال سنوات الحرب جنوبا على يد المليشيا التي تدعمها الإمارات كما يفعل الحوثيون في الشمال، وقد جرى طرد سكان المحافظات الشمالية من عدن وهو ما لم يحدث منذ 1994، مما نتج عنه تشرد عائلات بأكملها.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد -طبقا للمتحدث- ولكن تغذية الهويات الفرعية تسببت في تدمير المجتمع وتفككه ودفعته إلى التباغض والتناحر، وجعلت من الهوية الوطنية اليمنية الجامعة غريبة ومثيرة للتعجب، حتى تآكلت الدولة ومؤسساتها الشرعية وأصبحت العنصرية هي السائدة شمالا وجنوبا، بسبب مصالح التحالف وسوء تقدير حلفائه اليمنيين.

تكلفة مادية

ومنذ انطلاق عاصفة الحزم بدا تخبط التحالف واضحا من خلال انحرافه عن بوصلة أهدافه المعلنة حتى تحول إلى عبء كبير في معركة استعادة الدولة، وأصبحت تكلفته المادية والبشرية كبيرة جدا، كما يفيد الخبير الحقوقي والقانوني توفيق الحميدي.

ويوضح الحميدي للجزيرة نت -وهو رئيس منظمة سام للحقوق والحريات (مقرها في جنيف)- أن جردا بسيطا لتجاوزات التحالف خلال الفترة الماضية يظهر إنشاءه أكثر من 22 معتقلا سريا غير قانوني اعتقل فيها مئات اليمنيين ومورس بحقهم التعذيب، حيث سجلت التقارير الدولية ارتكاب التحالف العدد الأكبر من الأضرار المادية والبشرية بسبب قصف الطيران.

ووفقا للحميدي "فقد تم تسجيل تغير ملحوظ في ضربات التحالف خلال سنوات الحرب الماضية، وكان آخرها قصف كلية المجتمع الذي خلف 130 قتيلا، وتقدر تقارير عدد الغارات التي استهدفت المدنيين بأكثر من ألف غارة، وقد وثقت منظمة "سام" وحدها أكثر من 600 غارة بلغ ضحاياها ما يقارب 10 آلاف مدني، إضافة إلى الآثار غير المباشرة المتعلقة بالحصار والأمراض بسبب إطالة أمد الحرب وسوء الإدارة".

ويضاف إلى تلك الجرائم -كما يقول الحميدي- "انقلاب المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا على الحكومة الشرعية في عدن، ودعم مليشيا مسلحة لا تتبع الحكومة حتى تحولت إلى خنجر في خاصرة الدولة اليمنية للسيطرة على الموانئ الإستراتيجية والسواحل اليمنية من المهرة إلى الحديدة، ومنع الحكومة من إدارتها، وكذلك ممارسة بعض أعمال الدولة السيادية على بعض الجزر مثل حنيش وميون وسقطرى".

سخط شعبي

مجمل هذه التجاوزات التي يرتكبها التحالف كانت كفيلة بتغيير قناعات الكثير من اليمنيين الذين خرجوا أكثر من مرة في مظاهرات شعبية مناهضة لسياسات التحالف، كما أن هناك مسؤولين في الحكومة الشرعية أصبحوا ينتقدون علنا سياسات الرياض وأبو ظبي ومعهم كذلك بعض النخب المثقفة التي بدأت أصواتها تتعالى مؤخرا، بحسب الحميدي.

ومن الأطروحات التي بدأت تثار مؤخرا فكرة التخلص من جميع القوى على الساحة بما فيها الحكومة الشرعية والحوثيين والانتقالي الجنوبي، والعمل على استعادة الدولة من خلال تشكيل مكون وطني لا يرتهن لأي حليف خارجي ويستمد مشروعيته من الشارع اليمني، على أن تكون هناك مقاومة وطنية يقودها ما يشبه المجلس السياسي أو العسكري.

خيارات صعبة

وفي المقابل، يقول الخبير العسكري الدكتور علي الذهب إن تلك الأطروحات التي تثار تحلق بعيدا لأن من يتبناها لا يدرك تعقيدات الصراع الدائر حاليا في اليمن والذي يوجد فيه انقلابيون وأكثر من مليشيا مسلحة، إضافة إلى المشاريع المتضادة مثل الانفصال والإمامية والقومية والمشاريع غير الوطنية التي يتم الدفع بوكلاء محليين لتنفيذها.

ويفيد الذهب للجزيرة نت بأن الحديث عن تشكيل حكومة جديدة أو مجلس عسكري هو دعوة لانقلاب ثالث على الشرعية، وليس هناك ما يستدعي ذلك في الوقت الراهن.

ويرى أن أكثر ما يجب على اليمنيين فعله اليوم هو التمسك بالشرعية، لأنها هي التي لا تزال تحظى بدعم خارجي، والعمل على توحيد جهودهم لتصحيح مسار الشرعية والتحالف وليس نقض قواعده.