العدد 1353 / 13-3-2019

في ظل أجواء مشحونة بالتوتر بين طهران وواشنطن، وصل الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى بغداد في أول زيارة له للعراق من المقرر أن تستمر ثلاثة أيام.

وعلى خلاف الأعراف الدبلوماسية، كانت محطته الأولى في بغداد مرقد الإمام موسى الكاظم في منطقة الكاظمية قبل أن يستقبله الرئيس العراقي برهم صالح، ثم رئيس الوزراء عادل عبد المهدي.

وأعلن المكتب الإعلامي لعبد المهدي عن توقيع الطرفين خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم مشتركة تتعلق بمنح تأشيرات الدخول والتسهيلات لرجال الأعمال، وتفاهمات في مجالات النفط والتجارة والصحة والنقل.

ولم تمر هذه الزيارة دون رد فعل من واشنطن، حيث قال الممثل الأميركي الخاص لإيران برايان هوك إن "إيران تريد تحويل العراق إلى محافظة إيرانية"، متهما طهران بالسعي لفتح طريق عسكري سريع عبر شمال الشرق الأوسط يمكن استخدامه من قبل الحرس الثوري لنقل الصواريخ والأسلحة والمقاتلين.

لكن محللين سياسيين وأمنيين عراقيين اعتبروا الزيارة "عادية"، ولا تشكل تلك الأهمية التي تتعامل بها واشنطن مع الحدث.

وبحسب الخبير الأمني هشام الهاشمي، فإن "الضرورة الملحة" هي الدافع الرئيسي للزيارة بعد فشل الدبلوماسية الإيرانية في فك طوق العزلة عن طهران، وتصاعد ضغوط العقوبات الأميركية، مما دفع الرئيس الإيراني للقدوم إلى العراق بنفسه لتشجيع بغداد على تخفيف الضغط عن بلاده.

ويشير الهاشمي إلى أن لقاء الرئيس الإيراني المحتمل بالمرجع الشيعي علي السيستاني قد يعطي دعما لروحاني في الداخل الإيراني، ويسهم في تخفيف النقمة الشعبية على حكومته.

ويضيف أن العراق لن يعاقب إيران، لكنه سيلتزم بالقرارات الأميركية دون أن يكون شريكا فيها، كما أن الولايات المتحدة تبدو غير مبالية أو مكترثة بالإعلام الموالي لإيران والتصعيد الذي يمارسه ضد الوجود الأميركي في العراق.

أما الحكومة العراقية فهي حذرة جدا من أي صدام مع الأميركيين، فضلا عن أن الفصائل المسلحة تدرك أن هذا الصدام يمكن أن يكون ورطة كبيرة لها، على حد قول الهاشمي.

إفشال العقوبات

وأعلن روحاني رغبة بلاده في زيادة التبادل التجاري بين البلدين من 12 إلى 20 مليار دولار، وإلغاء التأشيرة بين الطرفين، وهو ما سيتضرر منه العراق بالدرجة الأولى لأنها كانت تشكل موردا ماليا مهما له.

ويلفت المحلل السياسي إلى أنه كان من المفترض أن يفاوض العراق إيران على ترسيم الحدود بينهما، ويبحث معها تجارة المخدرات ونزع سلاح الجماعات، وملفات أخرى شائكة بين الطرفين.

أما بخصوص الدور العراقي في الأزمة بين واشنطن وطهران، فهو "مرسوم" إقليميا ودوليا، ويتمثل في أن يقوم العراق بإمساك العصا من المنتصف، حيث يبدو المزاج الأميركي منسجما مع الإيراني في العراق -على خلاف المعلن- ويظهر ذلك جليا أثناء تشكيل الحكومات المتعاقبة، وتسمية رؤساء السلطات الثلاث في العراق، وفق ما يرى.

ويشير الهاشمي إلى أن العراق تحول إلى منفذ لإيران وبوابة لكسر الحصار عليها تحت أنظار المجتمع الدولي، وذلك ما تريده أميركا وإيران معا، لذلك سمحت لبغداد بفترة سماح لمدة 45 يوما، ثم تسعين يوما أخرى قابلة للتجديد.

خيارات محدودة

ووفقا للكاتب الصحفي مجاهد الطائي، فإن أهمية الزيارة تكمن في تحدي العقوبات الأميركية، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية مع بغداد، كما أنها نوع من استعراض قوة وسطوة النفوذ الإيراني في العراق بزيارة معلنة بعد الزيارة السرية للرئيس الأميركي دونالد ترامب بطائرة مطفأة الأضواء.

وفضلا عن ذلك، فهي محاولة رسم صورة عن انتقال إيران -بعد تعاظم نفوذها في العراق-من الحالة الشعبوية الثورية إلى الحالة الرسمية، وربط بغداد بطهران باتفاقيات.

ولعل خطورة الزيارة وما تشكله للمستقبل تتمثل في استمرار استخدام طهران لبغداد، ومنع أي محاولة لجره إلى المحور "العربي-الأميركي"، وفق تعبيره.

ويرى الطائي أن خيارات بغداد محدودة جدا؛ فهي لا تستطيع التخلي عن منتجات إيران من السلع والطاقة، كما لا تستطيع تحمل أي عقوبات أميركية يمكن أن تشملها، لذا فهي لن تستطيع سوى طلب مزيد من الفرص ومهلة تسعين يوما جديدة، أو دعوة الشركات الأميركية والعربية لمنافسة طهران في العراق.

ولا يتوقع الكاتب أن تؤثر الزيارة على التواجد الأميركي في العراق، باستثناء توحيد الصف الشيعي ضد أي عمل مراقب لإيران، أو مساعد لتل أبيب في حال شن سلاح الجو الإسرائيلي أي ضربات ضد مفاعلات إيران النووية، على حد قوله.