تونس ورئاسة الحكومة ...بعد انفراط حزب نداء تونس

بقلم : المهدي مبروك

يكاد الشلل يصيب مفاصل الدولة التونسية منذ أكثر من ستة أشهر من انطلاق المفاوضات بشأن صياغة وثيقة قرطاج 2، وهي المفاوضات التي علّقتها رئاسة الجمهورية، في أواخر شهر أيار الماضي. خرج الجميع بنتيجةٍ آنذاك، مفادها بأنه لا جدوى من مواصلة هذه الجلسات الماراثونية والجميع متمسّك بموقفه. تقول حركة النهضة، مثلا، إنه لا مبرّر لكل هذا الصخب، فقد اتفق الشركاء على 63 نقطة من الوثيقة، في حين اختلفوا في النقطة 64 (الأخيرة) المتعلقة بمصير حكومة يوسف الشاهد، فيما يقول الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو الشريك الموقّع على وثيقة قرطاج 1، إنه مستعدٌّ للتنازل عن بقية النقاط، ما عدا المتعلقة برئيس الحكومة، حيث يطالب برحيله، وقد غدا هذا الأمر منذ أشهر المطلب الأبرز في تحركات الاتحاد وتصريحاته، وانقسم حزب نداء تونس الحاكم بين مؤيد للشاهد وداع إلى مغادرته رئاسة الحكومة.

"رفض الشاهد طلب رئيس الجمهورية تقديم حكومته لمجلس النواب" , وهو ما زال يرفض الاستقالة التي عدّها الاتحاد العام التونسي للشغل أحد أهم مطالبه، ولوّح أخيرا بشن إضراب عام في القطاع العمومي، تحت مبرّرات عديدة، لعل أهمها تعثّر مفاوضات الزيادة في الأجور، غير أن الحقيقة مختلفة تماما، خصوصا أن آخر تعديل وزاري أجراه رئيس الحكومة استهدف وزير الطاقة، خالد قدور، المحسوب على الاتحاد العام التونسي للشغل، على خلفية ما صار يعرف بملفّ فساد قطاع الطاقة. وعلى الرغم من غموض المسألة، قد تكون هذه الإقالة القطرة التي أفاضت الكأس لدى خصوم الشاهد، فقد نفد صبرهم عليه، فالإقالات التي أقدم عليها في سنتي رئاسته الحكومة أكثر من سبع، وهو عدد قياسي، وطاولت تباعا وزراء الشؤون الدينية، والتربية، والوظيفة العمومية والإصلاح الإداري، والداخلية، وأخيرا وزير الطاقة وكاتب الدولة للطاقة والمناجم. وقد شملت وزراء محسوبين على "نداء تونس" والاتحاد العام التونسي للشغل، وهما المصرّان على إقالته حاليا.

تعالت الأصوات، مرة أخرى، مطالبةً باستقالة رئيس الحكومة، على ضوء الإقالات الجديدة. لكن يبدو أن الرجل غير متسرّع في الإجابة عن تلك الدعوات، فقد وعد من بكين، حيث يشارك في المنتدى الصيني الأفريقي للتعاون الاقتصادي، بأنه سيفصل القول في ملف الإقالات المتعلقة بشبهات فساد، يقول إنها تنخر قطاع الطاقة، ويثبت هذا القول عناد الرجل وتمسّكه بخوض جولات مقبلة من الصراع مع خصومه، غير أن محللين عديدين يعتقدون أن هامش المناورة ضاق وتضاءل، خصوصا إذا ما سحبت حركة النهضة دعمها له، حين لا يستجيب إلى شرطها الضمني، وهو إبداء عدم استعداده للترشّح للرئاسيات المقبلة، وهو شرطٌ تقول "النهضة" إنه أخلاقي، وترى فيه ضمانا لسلامة الانتقال الديمقراطي، ما دام أن الانتخابات المقبلة ستكون محطةً مهمةً لضمان سير حياد الإدارة، وشفافية العملية الانتخابية برمتها. يعلم الكل أن الكتلة النيابية التي تشكلت في الأسابيع القليلة الماضية، وتضم أكثر من 35 نائبا، وغدت تُعرف بكتلة الشاهد، ومن خارج الحزب الذي ينتمي إليه، لن تستطيع عددياﹰ ضمان بقائه، إذا ما سحبت "النهضة" ثقتها منه.

وبقطع النظر عن بقية تفاصيل كل هذه التجاذبات السياسية والحزبية التي جعلت أداء الحكومة , فقد تعالت الأصوات، مرة أخرى، مطالبةً باستقالة رئيس الحكومة، على ضوء الإقالات الجديدة" والأزمة تقع في ركنيْن، عادة ما لم يُتفطّن إليهما: الطبقة السياسية التي آثرت خوض حرب المواقع، وأحيانا الاستثمار في صناعة الاستقطاب الذي لا تنتعش إلا في مناخاته، فعملت على دفع الأمور إلى أقصاها. طبيعة النظام السياسي الذي "بلقن" الحكم، ووزّعه على ثلاث مؤسسات، ضعيفة على الرغم من الشرعية الانتخابية التي تتمتع بها، باستثناء رئيس الحكومة الذي يعيّنه رئيس الجمهورية وفق الدستور.

ومع ذلك، لم تسلم مزاولة الحكم من مطبّات وعيوب كثيرة، جعلت التنسيق بينها صعباﹰ، في ظل تمدّد مؤسسة رئاسة الجمهورية التي ظلت مشدودةً إلى حنين الأنظمة الرئاسوية، كما تعاقبت على تونس منذ استقلالها في عام 1956. كان رئيس الجمهورية يتصوّر أن في وسعه إقالة رئيس الحكومة، وهو الذي عيّنه، غير أنه تبيّن له أن الدستور لا يخوّل له ذلك، فوجّه له رسالة عتاب ولوم، فهو ابنه الروحي الذي تمرّد عليه، وواجهه بعقوقٍ كبير، بحسب تعليق أحد قيادات حزب نداء تونس. يتغذّى هذا الصراع بين المؤسستين، على خلفية الالتباس الحاصل في الأذهان بين مشمولات كلٍّ منهما وصلاحياتهما، وكذا الصراع الشرس الذي يخوضه رئيس الحكومة مع نجل الرئيس، حافظ السبسي، الذي لا يمتلك أي مواصفات الزعامة والحكم، لكنه يرغب في وراثة أبيه ديموقراطيا.