العدد 1348 / 9-2-2019

بقلم : ياسر أبو هلالة

يتهامس أبناء الجنوب السوري بشأن خلاف روسي إيراني، يلمسونه في مناطقهم التي ألقت السلاح، بين متحمس للقتال توجه إلى إدلب شمالاً ومن بقي تحت شروط المصالحة. توزّع المتصالحون بين الفيلق الخامس والفرقة الرابعة. يعبّر الفيلق عن المصالح الروسية، ومن أبرز نجومه سهيل الحسن المشهور بـ"النمر"، وتعبّر الفرقة الرابعة عن مصالح الحرس الثوري الإيراني، ورمزها الأبرز ماهر الأسد. يتردّد صدى الهمس في أروقة السياسة السعودية التي تستعد لاستقبال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في ظل جفوة أميركية منذ اغتيال الصحافي جمال خاشقجي. ويأمل السعوديون في تعميق الفجوة بين الحليف الروسي والعدو الإيراني، خصوصا في ظل قلقهم من الموقف الأميركي بوجود ترامب أو مغادرته المشهد بشكل مفاجئ، كما ينقل مطلعون على صناعة القرار السعودي.

يقدّم أهالي الجنوب السوري روايةً تخدم الأمنيات السعودية، فالخلاف في البرنامجين الروسي والإيراني واضح، وحتى الآن بينهما "حساسيات ومماحكات لم تصل إلى مواجهات". يقوم البرنامج الروسي على أساس عودة المهجّرين، واستيعاب المسلحين المصالحين، وإعادة الدولة أمنا وخدماتٍ وإعادة الإعمار، وذلك كله مربوطٌ بخيط خفي مع إسرائيل والأردن. البرنامج الإيراني على العكس، وهو مهتم بالمنطقة التي زارها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، قبل أسبوعين، حسب ما تنقل مصادر محلية، باعتبارها "إحدى ساحات الصراع مع العدو"، فهو غير معنيٍّ بعودة المهجّرين وتحمل أعباء خدماتهم، والشخصيات المحسوبة على الخط الإيراني تشيع جوا منفّرا من العودة معيشيا وأمنيا، ما يهم إيران هو بناء خلايا وجيوب موالية على خط الجبهة مع إسرائيل. وقد تحولت الحساسيات الإيرانية الروسية، في ريف حماه، إلى مواجهاتٍ محدودةٍ تم احتواؤها.

في سورية، يظل بشار الأسد كطفل نائم بين والديه، مهما شدّا الغطاء بينهما يظل الطفل يشعر بالدفء، وهو يدرك أن أول طوق نجاةٍ ألقي عندما أوشك على الغرق كان إيران، وبعدها روسيا، وهو لا يستغني عن أحدهما سواء في القتال على الأرض أم الحماية بالاعتراض في مجلس الأمن (الفيتو) والطيران. ولكن في لحظةٍ ما، قد يتجاوز أحد الوالدين ويكشف الغطاء عنه. ويشكل الشمال السوري مختبرا للمعادلة المعقدة، فثمّة تنسيقٌ تركيٌّ على مستوى القمة مع روسيا وإيران، وكلاهما وافق على منحها مساحة نفوذٍ في الشمال، غير أن الروس يظلون على صلةٍ أوثق بالأكراد، وجاء موقف ترامب بسحب قواته ليزيد المشهد غموضا وإرباكا.

بنظر الباحث الأميركي، ديفيد أوتاواي، أظهر قرار ترامب سحب القوات الأميركية من سورية أنه على "استعداد للتخلي عن شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بتغريدة على تويتر". وهي رسالةٌ "ارتعش منها جسد ولي العهد السعودي" الذي راهن على توترات ترامب الخطابية ضد إيران، فالاندلاق على روسيا بدا جليا في المصافحة الشهيرة في قمة العشرين في بيونس أيرس (30 /11- 1 /12/ 2018) بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في القمة التي شهدت جفوةً عالمية عامة من ابن سلمان بعد جريمة الاغتيال المروعة للصحافي جمال خاشقجي الذي صار لازمة للسياسة السعودية داخليا وخارجيا والمفارقة في نظر الباحث أن مأساة خاشقجي بدأت عندما حذّر السعوديين، في ندوةٍ عامة، من تقلبات ترامب، فمُنع من الكتابة، واختار المنفى بعدها.

ويرى ديفيد أوتاواي أن "الحاكم الحالي للمملكة قلقٌ للغاية بشأن تزايد العداء تجاه نفسه في الكونغرس ووسائل الإعلام الأميركية. وفي أعقاب مقتل خاشقجي بأنه كان يفكّر في مناورةٍ جريئةٍ لاستعادة ترحيبه في واشنطن: لقاء مع إسرائيل.. مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وترامب". ويكتب في مقالته في صحيفة ذا هيل، المتخصصة في شؤون الكونغرس، "الغريب هو الاعتقاد بأن مصير العلاقة الأميركية السعودية أصبح يعتمد الآن على نجاح بوتين في إقناع الملك سلمان وابنه بأن روسيا أصبحت بديلاً ذا مصداقية للولايات المتحدة، أو على نتنياهو لإقناع الكونغرس بأن السعودية شريك إسرائيل الجديد الذي لا غنى عنه".

بعيدا عن الرقصات والحفاوة والصفقات التي سترافق بوتين، هل سيكون قادرا على إثبات أفضليته للسعودية؟ فالمملكة تريد روسيا شريكا لمواجهة إيران، فهل هذا وارد؟ يُمنّي كثيرون من أعداء إيران النفس بهذه الانقلاب الروسي على إيران. وثمّة شواهد على خلافاتٍ بينهما. ولكن ليس من مصلحة البلدين الوصول إلى المواجهة بينهما، فإيران جار لصيق لروسيا، وفاعل في أفغانستان وجمهوريات الاتحاد السوفيبتي الإسلامية السابقة. وبوتين قادرٌ على جمع النقائض والاستفادة منها، فعلاقاته مميزة مع نتنياهو وإسرائيل، لكنها لا تضر بعلاقته بإيران، والسعودية بالنسبة له ستكون إسرائيل ثانية.

أيا كانت نتائج الزيارة، فهي مزعجة للأميركيين، فقادة الجيش والأمن القومي يرون التهديد

الاستراتيجي لبلادهم يأتي من روسيا والصين. وبنظر الباحث، فإن قطر مستفيدة من هذه الاستدارة السعودية، فقد تحوّل "ترامب من دعم المملكة العربية السعودية في البداية إلى التصفيق الآن لقطر التي أثبتت أنها مضيفةٌ سخيةٌ للمقر الأمامي للقيادة المركزية الأميركية المسؤولة عن جميع العمليات العسكرية الأميركية من سورية إلى أفغانستان".

الواضح أن العالم العربي تحوّل إلى مختبر للصراعات الدولية، وهو يدفع ثمنا غاليا من دماء أبنائه وثرواته لحروب بينية، يستفيد منها الآخرون، فحماقات بشار الأسد وإجرامه هما ما جلبا الاحتلالات الخارجية، وحولتا البلاد إلى خرائب ومساحات نفوذ متقاسمة. وينطبق الأمر نفسه على الخليج تماما، الحماقة السعودية الإماراتية في التعامل مع ثورة الشعب اليمني على الطاغية علي عبدالله صالح جلبت إيران، وقَوّت الحوثيين، وأحدثت في اليمن لاحقا كارثة إنسانية وحرب استنزاف. واكتمل المشهد بافتعال الأزمة مع قطر وفرض الحصار. يسهل اتهام إيران وروسيا وأميركا وتركيا بأن لديهم أطماعا في العالم العربي. ولكن من الواضح أن قوة الجذب للقوى الخارجية أعلى كثيرا من اندفاعها نحونا، وربما تُقاد نحونا بالسلاسل. هل تخيّل بوتين يوم كان ضابطا في المخابرات السوفييتية (كي جي بي) أن الملك سلمان الذي ترأس لجنة دعم المجاهدين الأفغان سيكون ضيفه في الكرملين، وأنه سيحلّ ضيفا عليه في الرياض، وسيرقص العرضة معه، حامدا الله أنها جاءت أكثر "مما تمنّى"؟