الأمان الدولي

انقــلاب على أسـتـانــة أم ابتزاز لتركيا؟
05/10/2017 - جلال زين الدين

اتفق المجتمعون في «أستانة 6» على المضيّ في اتفاقات خفض التصعيد؛ التي شملت في خريطتها الأخيرة مدينة إدلب رغم وجود فصائل إسلامية. وقال المجتمعون أنفسهم إنّ «أستانة 6» يعدّ أنجح اجتماع بين النظام والمعارضة من جهة، وبين الدول الراعية (روسيا، إيران، تركيا) له من جهة ثانية، منذ اندلاع الثورة السورية. واعتقدَ الجميعُ أنّ الحرب وضعت أوزارها أو كادت، ولا سيما في المناطق الواقعة خارج سيطرة داعش. فالجميع خرج من المؤتمر راضياً عمّا تمّ التوصل إليه واعتبره نقطة انطلاق حقيقية للبدء بالحل السياسي المنشود من اتفاقات خفض التصعيد.
وبعد «أستانة 6» بدأت تتواتر الأخبار عن حشود عسكرية تركية تتهيّأ لدخول إدلب، بالتفاهم مع إيران وروسيا لتنفيذ الاتفاق، سواء رضيت الفصائل المتشددة أو رفضت، وبدأ الحديث عن وساطات كي تسحب هذه الفصائل (فتح الشام والمتحالفون معها) عناصرها منعاً للاقتتال الداخلي؛ باعتبار أنّ القوات التركية ستدخل مصحوبة بالثوار، على غرار درع الفرات.
وفجأة، وقبل أن يجف حبر الاتفاق، يُغِيرُ الطيرانُ الروسي على مواقع مدنية وعسكرية في إدلب وريف حماة وريف حلب الغربي، وبدا واضحاً أنّ القصفَ ممنهج ومدروس ومشابه للقصف على مدينة حلب، حيث يستهدف الروس في قصفهم مقومات الحياة، من شبكات مياه وكهرباء ومشاف ومستوصفات، ما دفع مديريات التربية الحرة لوقف الدوام خشية حدوث مجازر بحق الطلاب، فيما تزامن القصف مع حديث عن نيّة النظام اقتحام ريف حلب الغربي وريف إدلب.
وبدا القصف الروسي غريباً وغير مبرر، لا سيما أنّه جاء عقب أستانة مباشرة وقبل زيارة الرئيس الروسي بوتين لتركيا، حيث قطع البلدان شوطاً بعيداً في التفاهمات السياسية التي حققت لهما مكاسب اقتصادية؛ وتطورت لتعاون عسكري تمثل بصفقة صواريخ إس 400 الروسية لتركيا، وهي الصفقة التي أغضبت الغرب الحانق على تركيا كثيراً.
فلماذا ينقلب الروس على اتفاق رعوه ووقعوه، وعدّوه نصراً سياسياً؟!
لا يمكن فصل ما يجري في استفتاء كردستان تحديداً والقضية الكردية عموماً، فالملفات متداخلة فيما بينها. والقضية الكردية مسألة أمن قومي للأتراك أياً كانت الحكومة، ويتحسس الأتراك كثيرا تجاه هذه القضية، وهذا ما يفسر تصريحات الرئيس التركي أردوغان النارية، واستعدادات تركيا العسكرية على الحدود المحاذية للعراق. فهل يريد الروس الانقلاب على أستانة مستغلين حاجة تركيا لهم في ملف كردستان؟ أم يريدون ابتزاز تركيا وتحقيق المزيد من المكاسب؟
يلاحظ المتابع أنّ روسيا تحاول مسك العصا من المنتصف، فيرى بوتين أنّ وحدة الأراضي العراقية أمر مهم لاستقرار المنطقة، وموقف بلاده ثابت من ذلك، لكنّه في الوقت عينه يبدي تفهمه لطموحات الكرد القومية. ويدرك الأتراك جيداً أن ثمة أيدي خفيّة شجعت رئيس الإقليم مسعود البرزاني على إجراء الاستفتاء، فمستبعد أن يقوم بهذه الخطوة دون دعم من دول إقليمية ودولية تضمر الشر لتركيا، تماماً كالانقلاب التركي الذي دعمته دول كثيرة تحت الطاولة، وإن أعربت عن رفضه فوق الطاولة. فتركيا دولة مستهدفة، والساسة الشعبويون في أوروبا يتغذّون من معاداة تركيا، كما قال أحد الوزراء الأتراك. وغير خافٍ الخلاف الألماني التركي، والخلاف التركي الأمريكي، سواء في ما يتعلق بدعم الانفصاليين الكرد في سوريا، أو ما يتعلق بدعم ورعاية الانقلابيين من جماعة فتح الله غولن. ويعمل الروس على استثمار هذه الظروف لجذب الأتراك إلى صفهم وتزعم قطب يقودونه.
ولا يملك الأتراك كثيراً من الأوراق لمواجهة اللعبة الروسية والضغوط والدسائس الغربية، ولكنّها تمتلك رؤية واضحة في ما يتعلق بالقضية الكردية، وتفضل هنا الموقف الروسي على الموقف الأمريكي، فأمريكا هي من أعطت للبرزاني هذه القوة، وتبذل جهوداً عمليّة لانفصال الكرد في سوريا، بينما يسعى الروس إلى تحقيق حلم الأكراد القومي من خلال الإدارة الذاتية (أو الفيدرالية)، في حال مشابه لإقليم كردستان العراقي قبل الاستفتاء. وأبدت الحكومة السورية موافقتها على ذلك، من خلال تصريح وزير الخارجية السوري وليد المعلم الذي أبدى استعداد حكومته للحوار مع الكرد حول قضية الإدارة الذاتية ضمن الدولة السورية.
فالروس لا يرغبون في الانقلاب على أستانة؛ لأنهم حققوا من خلاله مكاسب لم تحققها طائراتهم، إنّما يرغبون بخلط الأوراق بشكل يبعد تركيا عن الغرب عموماً، والولايات المتحدة تحديداً، ويلحقها بالمعسكر الروسي؛ مستغلة الورقة الكردية. لكن غاب عن الروس أنّ القضية الكردية لا تتعلق بالأتراك وحدهم، فالعراق وسوريا وإيران ترفض إقامة دولة كردية، والإجماع والدعم الإقليمي، فضلاً عن إجماع الغالبية الساحقة للقوى السياسية التركية والمؤسسة العسكرية، ورقة تركيا الرابحة في مواجهة أي ضغط أو ابتزاز يخصّ الورقة الكردية، فضلاً عن حاجة روسيا لتركيا في ملفات كثيرة.}