الأمان الدولي

المؤسسات الدوليّة وقضايا المسلمين.. الروهينغا نموذجاً
02/11/2017 - صلاح القادري

جاءت الصور الأخيرة لجثث المئات من مسلمي الروهينغا الطافية على الأنهار الفاصلة بين ميانمار وبنغلاديش، وكذا صور الآلاف منهم وهم يغادرون وطنهم مكرهين؛ لتعيد إلى الذاكرة الجمعية للمسلمين في أنحاء العالم صور أشلاء الأطفال العراقيين في مخيم العامرية المتفحمة بنار الصواريخ الحرارية الأميركية، ومثيلاتها المتناثرة بقطاع غزة تحت قصف الكيان الصهيوني.
كما ذكّرت هذه الصور بآلاف النعوش الخُضْر لمسلمي سربرينيتشا بالبوسنة والهرسك؛ ليرتسم في الأذهان سؤال عابر للعشريات الأخيرة: لماذا تقف المؤسسات الدولية صامتة أمام هذه المآسي والجرائم التي تعصف بالمسلمين؟ وما هي تجليات هذا الصمت؟ وما الأسباب التي تقف وراءه.. أهو العجز أم التواطؤ؟
من الصعب تقديم إجابة شاملة على هذا السؤال لكونه متعلقاً بقضايا تختلف معطياتها الزمانية وحيثياتها المكانية، وكذا العوامل الحاكمة والناظمة لها، لكن يبقى بالإمكان اتخاذ قضية معينة قد تجتمع فيها خصائص جيوسياسية أو جيوستراتيجية معينة، مما يمنحها قدرة تفسيرية للظاهرة أو الواقع السياسي المرادة دراسته.  
لقد اجتمعت في المأساة الروهينغية أكثر من خاصية جيوسياسية أو جيوستراتيجية تسمح للناظر بفهم بعض تجليات وأسباب صمت المؤسسات الدولية أمام المجازر والمآسي التي يتعرض لها المسلمون في العالم، نذكر أهمها:
1- طبيعة النظام السياسي ولعبة المصالح: يجب على أي نظام يريد ضمان صمت المؤسسات الدولية أن يجيد لعبة المصالح على المستويين الداخلي والخارجي. ففهم المعادلة التي تحكم المشهد السياسي في ميانمار يعتمد على مدى استيعاب المواقف السابقة، وكذا فهم القناعات السياسية التي تحرك كل طرف في هذه المعادلة، المبنية أساساً على خروج كل طرف من العملية محققاً لمصالحه ومحافظاً على مكتسباته، وكذا تحركه خلال مساحات متعارف ضمنياً على حدودها بما يضمن عدم الاصطدام بين مختلف هذه الأطراف. 
إن المشهد السياسي في ميانمار تحكمه وتحركه أطراف ثلاثة: أولها، النظام الحاكم القائم على التحالف بين السلطة العسكرية المتمثّلة في الرئيس السابق صاحب القبضة الحديدية الجنرال سين ثين، والسلطة الدينية البوذية المتمثّلة في الراهب ويراثو المعروف بخطاباته العنصرية والتحريضية ضد المسلمين.
والطرف الثاني يتمثل في الجناح المدني الممثل بالفائزة بجائزة نوبل للسلام والناجحة في الانتخابات الأخيرة أونغ سان سو تشي. أما الطرف الثالث فيتمثل في القوى الغربية التي تملك وترعى مصالحها الاقتصادية والجيوستراتيجية في ميانمار.
ومن جهة أخرى، أثرت سلبياً مشاركة المؤسسة الدينية البوذية في المجازر المرتكبة بحق مسلمي ميانمار على صورة البوذية كدين يدعو إلى السلام والتسامح وخصوصاً في الغرب؛ كما لم تخلُ من كونها مصدر إزعاج للدلاي لاما في رحلاته الخارجية، ما جعل قبول الرهبان البوذيين بالفتح النسبي للعملية الديمقراطية أمراً ضرورياً.
2- التمييز دينياً وازدواجية المعايير: هناك إجماع لدى ممثلي المؤسسات الدولية على أن الأقلية الروهينغية في ميانمار هي الأقلية الأكثر اضطهاداً في العالم، وأن الجرائم التي ترتكبها الحكومة الميانمارية وحلفاؤها السياسيون والعسكريون تعتبر تطهيراً عرقياً مكتمل الأركان.
فقد اعتبر مفوض حقوق الإنسان في الأمم المتحدة زيد بن رعد العملية الأمنية التي تستهدف الروهينغا تجسيداً للتعريفات النموذجية للتطهير العرقي في القانون والأعراف الدولية، واصفاً العملية العسكرية ضدهم بأنها عملية وحشية.
وفي نفس الوقت، تؤكد مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن أعداد اللاجئين من الروهينغا محصيّة لهم بمئات الآلاف، كما أكدت المنظمات الحقوقية -مثل هيومن رايتس ووتش- مقتل واغتصاب المئات من أبناء هذه الأقلية.
لكن في ظل إجماع ممثليهم -وكذا ممثلي المنظمات الحقوقية- على طبيعة الجريمة والاضطهاد الذي يتعرض له مسلمو الروهينغا في ميانمار؛ يظهر أن التمييز على الأساس الديني وكذا ازدواجية المعايير في التعامل مع الأقليات المضطهدة، هو أحد الأسباب الحاكمة لموقف هذه المنظمات من قضايا الأقليات والشعوب المسلمة.
3- رعاية القوى الكبرى لمصالحها: إن أهم سبب لصمت المؤسسات الدولية على الجرائم ضد مسلمي الروهينغا هو الضغط الذي تمارسه القوى الكبرى رعاية لمصالحها في ميانمار، وإن كان ذلك على حساب حقوق الإنسان المنتهكة؛ وليس الأمر مقصوراً على ميانمار فقط، بل يمكن تعميمه على كثير من بؤر التوتر التي تدفع فيها المسؤولية الفاتورة.
وهكذا قدم الغرب الدعم السياسي والاقتصادي للنظام العسكري في ميانمار متمثلاً في رئيسه الجنرال سين ثين، ضارباً بذلك كل التقارير الحقوقية والأممية التي اعتبرت الأقلية الروهينغية أكبر أقلية مضطهدة في العالم.
لقد افتُتح هذا الدعم بتعاقد رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير -عبر هيئته المسماة «مؤسسة توني بلير للإيمان» (Tony Blair Faith Foundation)- مع الحكومة العسكرية في ميانمار، من أجل تبييض صورتها عالمياً وفتح شبكة علاقات دبلوماسية وسياسية لها.
ومن جهة أخرى، تتهم منظمات حقوقية دولية شركة توتال الفرنسية -التي أنشأت خطوطاً لنقل الغاز وتستغل حقولاً بترولية في ميانمار- بأنها العصب المالي الداعم للنظام الدكتاتوري العسكري في هذا البلد.
وفي عام 2013 أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية سابقا مادلين أولبرايت -كممثلة لشركة كوكا كولا- استثمار هذه الشركة مئتيْ مليون دولار في مشاريع اقتصادية بميانمار.
4- الإسلاموفوبيا وربط الإسلام بالإرهاب: استغلت صاحبة جائزة نوبل للسلام زعيمة ميانمار سو تشي الجوَّ الدولي العام الذي يربط فيه الخطاب السياسي والإعلامي بين الإسلام والإرهاب، وكذا تزايد انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا، وسهولة تصوير المسلمين كمجرمين لا ضحايا؛ استغلت كل هذا لضرب حقوق الروهينغا كمواطنين وتصوير مأساتهم على أنها مجرد مشاكل داخلية.
فطوال 15 عاماً قضتها سو تشي في الإقامة الجبرية؛ خلت بياناتها النارية ضد الحكم العسكري في ميانمار من أي إشارة إلى الإبادة التي كان تتعرض لها أقلية الروهينغا. ولم تغير موقفها هذا حتى حين كان الآلاف من العسكريين والرهبان البوذيين يحصدون بمناجلهم عام 2012 أرواح مئات المسلمين، ويسجنون قرابة 150 ألفاً من الأطفال والنساء والعزل في معسكرات لاإنسانية.
5- فساد المؤسسات الدولية: تجب الإشارة إلى أن المنظمات الدولية لم تكن عاجزة أو متواطئة فقط في القضايا والجرائم التي ضحاياها مسلمون كالغزو الأميركي للعراق وأفغانستان، وكذا جرائم الصين في محافظة تركستان. بل امتد فشلها وتواطؤها إلى الجرائم التي ارتكبها الدكتاتوريون العرب والمسلمون في حق شعوبهم، وكذا الجرائم التي لم يكن ضحاياها من المسلمين كاحتلال الروس شبه جزيرة القرم وجرائمهم في الشيشان المسلمة، وكذا المجازر المؤلمة في رواندا.
ويعود هذا العجز والتواطؤ إلى أسباب داخلية متعلقة بالقوانين الداخلية المنظِّمة لعمل هذه المؤسسات الدولية، التي تمنح حق «الفيتو» للقوى الكبرى، مما يعطيها القدرة على تعطيل الكثير من القرارات الأممية. وكذا فساد وعجز المنظمات الإسلامية والعربية -كمنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية- عن صناعة لوبي دولي ضاغط لصالح الشعوب الإسلامية المضطهدة.}