الأمان الدولي

العلاقات السعودية الإيرانية مؤشرات التطبيع وعوامله
07/09/2017 - أمين قمورية

بعد جفاء استمر سنوات التقطت كاميرات المصورين في إسطنبول مصافحة نادرة بين وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ونظيره الإيراني جواد ظريف، على هامش الاجتماع الطارئ لمنظمة التعاون الإسلامي. 
هذه المصافحة لم تكن خطوة يتيمة تشير إلى تغيير أو ليونة في الموقف السعودي، إذ سبقتها زيارة للزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر إلى الرياض بدعوة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حيث لاقى الصدر حفاوة بالغة منذ وصوله.
وإذا كانت العلاقة بين الصدر وطهران قد شابها توتر في الآونة الأخيرة؛ فإنها لا تزال متينة في العمق. ولا شك في أن قضايا مثل الموضوع اليمني وإعادة العلاقة بين بغداد والرياض -التي تتحسن باطراد- كانت في صلب المحادثات التي أجراها الصدر مع السعوديين.
كذلك كانت هذه الموضوعات في صلب مباحثات الزيارات التي أجراها مسؤولون عراقيون كبار آخرون، من بينهم وزير الداخلية قاسم الأعرجي الذي صرح بأن الرياض طلبت من بغداد إجراء وساطة مع طهران، مثيراً بذلك عاصفة من الجدل.
إشارات ومؤشرات
تزامنت هذه التطورات مع دعوة محمد علي الحوثي رئيس اللجنة الثورية العليا في جماعة الحوثي (المقربة من إيران) السعوديةَ إلى التوقيع على هدنة فعلية في البيت الحرام، تلزم الجميع في كل الجبهات بعدم القتال، وبفك الحصار والسماح لليمنيين بالحج حتى تنتهي هذه الأشهر، وهذا ما يؤكد وجود مُرونة سعودية إيرانية مشتركة.
وكان لافتاً أيضاً عدم صدور أي إشارة سلبية من السعودية أو من أصدقائها على العملية العسكرية التي نفذها حزب الله والجيش اللبناني في الجرود الشرقية للبقاع، حيث جرى اقتلاع مسلحي جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية.
وقد سبقت ذلك معلوماتٌ متطابقة عن اتفاق ضمني إيراني - سعودي أنتج وصول الرئيس ميشال عون المتحالف مع حزب الله إلى سدة الرئاسة اللبنانية، وتولي حليف السعودية سعد الحريري رئاسة الحكومة.
واللافت أن الرياض كانت مبادرة إلى تخفيف التوتر مع طهران، وهو ما يتناقض مع التصريحات التي أدلى بها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في أيار الماضي، واتهم فيها إيران بمحاولة الاستيلاء على مكة المكرمة والمدينة المنورة.
لا بل أكثر من ذلك؛ فإن ظريف استخدم العبارات ذاتها التي كانت ترد في البيانات الرسمية السعودية عند الحديث عن إيران، ولا سيما مطالبته الرياض بتغيير سلوكها، ما يعكس إدراك طهران للحاجة السعودية إلى تغيير قواعد اللعبة في المنطقة.
عوامل الاستدارة
ولعل ما عجل في الاستدارة السعودية للبحث عن مخرج جديد للوضع القائم والانفتاح على عدوّها اللدود إيران، هو خروج الأزمة في البيت الخليجي عن سيطرتها، وفشلها في فرض الانصياع على الدوحة، وعدم قدرتها على تحقيق أي من مطالبها الـ13، ما أفرز توازناً جديداً في الخليج ليس لمصلحتها. خصوصاً بعدما حظيت قطر بتضامن دولي وإقليمي، ولا سيما مع دخول تركيا على الخط، وهي الدولة التي تعتبرها السعودية ضمناً منافساً إسلامياً وإقليمياً لها. ومع تطور هذه الأزمة، بات على الرياض أن تركز على تحييد إيران عن هذا الصراع لإبعادها عن الدوحة، حتى لا تُجْبَهَ بحلف قوي جديد في عقر دارها الخليجي.
أضف إلى ذلك أن أزمة اليمن بلغت حداً خطيراً لم يعد بإمكان السعودية أن تقفز فوقه، خاصة بعد تفاقم الأزمة الإنسانية في هذا البلد المنكوب، وتصاعد الحملة الدولية المنددة بالانتهاكات الحاصلة هناك، وفشل التحالف الذي تقوده الرياض في تحقيق إنجاز ميداني في مواجهة تحالف الحوثيين مع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح.
هذا إلى جانب وصول الصواريخ الحوثية إلى عمق الجنوب السعودي، وبقاء حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي بعيداً عن صنعاء وحتى عن عدن، وبالتالي كان لا بدّ من حل يحفظ ماء وجه السعودية، وهذا لا يكون إلا بعقد صفقة مع طهران الراعي الأول للحوثيين.
وجاء تراجع أسعار النفط وتزايد تكلفة الحروب التي تخوضها السعودية في أكثر من بلد، والصفقات المالية الضخمة التي أبرمتها الرياض مع الرئيس دونالد ترامب؛ لتستنزف الكثير من الاحتياطات السعودية، وتجعلها تبحث عن مخارج لهذا الاستنزاف والحد من تراجع الإمكانات المالية السعودية. وهذا يتطلب البحث عن تسويات للأزمات السياسية المستفحلة والمسببة للنزف المالي.
ولا شك في أن تسوية كهذه تتطلب بالضرورة حواراً مع إيران الدولة الإقليمية الكبرى المنخرطة في هذه الأزمات. وتتطلب إعادة رفد الخزانة بالأموال والمورد الأساسي فيها هي أموال النفط، وأي اتفاق من شأنه أن يرفع الأسعار يحتاج إلى توافقات من المنتجين الكبار وفي طليعتهم إيران.
وإذا كانت البراغماتية الإيرانية من شأنها أن تساهم في تطوير الانفتاح السعودي الجديد ودفعه خطوات إلى الأمام؛ فإن جبل المشكلات المتراكم بين الطرفين -منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979- قد يكبح هذه الاندفاعة، ولا سيما أن الأجواء الإقليمية المحيطة بالعلاقات بين طهران والرياض لا تشير إلى انفراج قريب. وذلك في الوقت الذي تزدحم فيه هذه الأجواء بالعديد من الملفات الصعبة، بدءاً من الحرب في اليمن وسوريا وانتهاء الوضع في العراق ولبنان، كذلك فإنّ رؤوساً حامية لا تزال تتصدر الواجهة والقيادة في البلدين.
لكن ذلك لا يحول دون البحث عن هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس من الطرفين، أو التأسيس لمخارج توقف الحروب بالوكالة التي يخوضها الطرفان في أكثر من ساحة، وكلفت المنطقة أثماناً باهظة. وفي الحالتين؛ لا يُستبعد أن نرى تبادلاً للزيارات بين البلدين على أعلى المستويات، بعد إعادة التطبيع الدبلوماسي بينهما.}