الأمان الدولي

الربيع العربي المفترى عليه
16/02/2017 - فهمي هويدي

ليس مفهوماً إصرار الأمين العام لجامعة الدول العربية على ازدراء الربيع العربي وتحامله الشديد عليه كلما جاء ذكره أمامه. ورغم أن السيد أحمد أبو الغيط كان دبلوماسياً لأكثر من نصف قرن (التحق بالخارجية المصرية عام ١٩٦٥) فإنه تخلى عن دبلوماسيته في حديثه عن الربيع العربي أكثر من مرة، متجاهلاً أن أكثر من نظام جاء به ذلك الربيع ممثل الآن في الجامعة العربية التي يتولى أمانتها.
لقد تابعت السيد أبو الغيط في حوار أجرته معه في ٣ الشهر الحالي (٢٠١٧) قناة «روسيا اليوم»، قال فيه إن ما يسمى الربيع العربي جدير بأن يسمى التدمير العربي، ودلل على ذلك بأنه سبّب الخراب والدمار الذي حل بأكثر من قطر عربي. ووجدته يقول نفس الكلام في حوار آخر بثته قناة «س. بي. سي» المصرية في ١٨ تموز عام ٢٠١٦، وصف فيه الربيع العربي بأنه كذبة ومؤامرة. كذلك ردّد فكرة الدمار والخراب ذاتها في حوار تليفزيوني ثالث بثه التليفزيون المصري في ٢٨/12 عام ٢٠١٤، ضمن برنامج باسم بوابة القاهرة.
كان مفهوماً أن يكون ذلك رأي السيد أبو الغيط بوصفه وزيراً للخارجية المصرية في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي أطاحه الربيع العربي. ومن ثم لم يكن غريباً ما قاله في الحوار الذي جرى معه في عام ٢٠١٤، وتصوّرت أن تختلف لغته - وليس بالضرورة موقفه - بعد اختياره أميناً عاماً للجامعة العربية عام ٢٠١٦. إلا أنه لم يخف مشاعره، وظل مصراً على أن الرياح المنعشة التي هبت على العالم العربي في عام ٢٠١١، لم تكن سوى أكذوبة ومؤامرة، وهو ما أعطى انطباعاً بأن الرجل ليس معبراً عن «أمانة» جامعة الدول العربية، ولكنه يعتبر نفسه ممثلاً لبعض الدول المخاصمة للربيع العربي التي سعت جاهدة لإفشاله، وحققت بعض النجاحات في ذلك.
تلك ملاحظتي الأولى على كلام الرجل. ولي بعد ذلك ملاحظات أخرى أوجزها في ما يلي:
إن الدستور المصري الصادر في عام ٢٠١٤، اعتبر التغيير الثوري الذي أطاح مبارك في ٢٥ يناير وكذلك ما جرى في ٣٠ حزيران بعد ذلك، بمثابة «امتداد للمسيرة الثورية للوطنية المصرية»، واستغرب أن يتجاهل أن ثورة يناير انطلقت في السنة الأولى للربيع العربي، وكانت الحلقة الثانية «بعد تونس» من موجة التغيير التي شهدها العالم العربي عام ٢٠١١.
إنه كرر في لقاءاته الاستشهاد بما حدث في العراق، واعتبر ما أصابه من تجليات الدمار الذي أحدثه الربيع العربي، وقد خانته ذاكرته في ذلك، لأن ما حل بالعراق هو نتيجة الاحتلال الذي وقع في عام ٢٠٠٣ ولا علاقة له بالربيع الذي هبت رياحه على العالم العربي في عام ٢٠١١.
في تجريحه للربيع العربي، فإنه كما بدا متعاطفاً ضمنياً مع الأنظمة العربية الاستبدادية والفاسدة، وفي المقدمة منها نظام الأسد الوحشي الذي قرأنا قبل أيام فقط أنه أعدم ١٣ ألف شخص في سجونه خلال السنوات الخمس الأخيرة، إضافة إلى قتل وتهجير الملايين من السوريين. ولم يشر بكلمة إلى شوق الجماهير العربية إلى الحرية والعدل في بقية الأقطار التي ذكرها، ولو أنه قال مثلاً إن الربيع العربي عالج أوضاعاً سيئة بتداعيات أسوأ لكان أكثر موضوعية ودبلوماسية، وأكثر التزاماً بمسؤولية منصبه.
إنه لم يكن منصفاً في تقييم الربيع العربي، إذ ركز على النتائج وتعمد السكوت عن الأسباب التي تمثلت في تعلق الجماهير العربية بحلم التغيير الذي بدأ سلمياً، ولكن قسوة القمع والتدخلات الخارجية قلبت المشهد وأوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه، وهو ما يعني أن الذي سبّب الدمار والفوضى ليس الربيع العربي ولكنه التآمر عليه وجهود إفشاله لمصلحة الثورة المضادة، التي استعادت مواقعها على النحو الذي يلمسه الجميع. والله أعلم