العدد 1373 / 7-8-2019

ياسر أبو هلالة

التطبيع الذي تشهده بعض دول الخليج غير مسبوق، فالدولتان اللتان أقامتا علاقات رسمية وعلنية مع إسرائيل، مصر والأردن، وباقي الدول التي طبّعت، تمسّكت بالرواية الفلسطينية للصراع، ولم تتبن رواية العدو عن التاريخ والمقدسات، ولم تشيطن الفلسطيني، وتمنّ عليه بالوقوف معه... ظلت العلاقات محصورة في مستويات رسمية وسرية غالباً، مشفوعة بمنافع اقتصادية بعيدة عن المستوى الشعبي. لم نجد شيخ الأزهر يفعل فعل الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، محمد العيسى، في دعوة مدير المعهد التذكاري للهولوكوست في الولايات المتحدة لزيارة المملكة (حسب من جهله وفرحته بالصهاينة أنه رجل!)، ولم يجرؤ أحد في الأردن على التقليل من مكانة الأقصى، كما فعل المغرد السعودي، كساب العتيبي، المعروف بصلاته الوثيقة بالأمن السعودي. أما فعلة المدون محمد سعود فكانت أقرب إلى عملية انتحارية في سبيل التطبيع، وناله من الشتم والتحقير ما لم ينله إنسان قبله.

الخيط الذي يربط بين الثلاثة جهاز رسمي ينفذ استراتيجية واضحة داخلياً وخارجياً، فبحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن سعود القحطاني الذي وصف بأنه الذراع اليمنى لولي العهد السعودي مكلف بملف العلاقات مع إسرائيل، من حيث التعاون التقني التجسّسي، وترويج العلاقات معها، وتشويه الفلسطينيين من خلال الجيش الإلكتروني (الذباب الإلكتروني) الذي يديره.

في مركز اعتدال (المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف)، ومقره الرياض، ثلاثة آلاف متفرغ، وأضعافهم من غير المتفرغين، جزء أساسي من عملهم ترويج التطبيع غير المسبوق. فقد كان التطبيع يعني سابقاً صناعة سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فيما هو اليوم يصنع من الفلسطيني عدواً، سرق مال السعوديين، وأشغلهم عن بناء بلدهم، وهو اليوم يسعى إلى مصادرة مستقبلهم بالتآمر مع إيران.

بحسب مصادر سعودية مطلعة، أظهر استطلاع الرأي الذي أجراه لصالح ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، مركز للدراسات، في الرياض، فشل استراتيجيته، فالأكثرية الساحقة لا تزال ترى في إسرائيل عدواً، ولكن ذلك لم يغيّر من إصراره، فالمهم أن تصل الرسالة إلى الصهاينة أنه يقدم تضحيات، ويبذل جهوداً كبرى في مواجهة رأي عام تشكل عبر عقود من التعبئة اليومية.

وتلك التضحيات ليست مجانية، فهو يدرك أن نتنياهو هو الوحيد الذي وقف معه علانية يوم زلزلت الأرض من تحته، عقب الاغتيال المروع لجمال خاشقجي، وأن حليفه القوي في واشنطن هو الصهيوني كوشنر، وذلك من ناحية نفسية على الأقل كافٍ لتفسير هذا الاندفاع، غير أن هذا التطبيع الفظيع الذي يشبه قفزات السيرك الخطرة ترافقه شبكة أمان؛ فمن السهل إنكار ذلك كله، واعتباره مجرد شطحاتٍ فردية، وأن موقف المملكة الرسمي هو ما صدر عن الملك في خطابات رسمية متكرّرة تؤكد الالتزام بالحقوق العربية في فلسطين.

في الواقع، لا توجد شبكة أمان، خصوصاً في ظل الحرب المفتوحة على الفلسطينيين الداعمين للمقاومة في السعودية، ولم تستطع حركة حماس إخراج ممثلها السابق لدى السعودية، الدكتور محمد الخضري، وهو طبيب استشاري عمل في السعودية عقوداً، ويصارع الموت مصاباً بالسرطان، وهو بمثابة سفير كان يقابل أرفع المسؤولين، ويتلقى الدعم المالي رسمياً وشعبياً.

انتهى ذلك كله، ولم يعد لا الفلسطيني ولا السعودي قادراً على كتابة تغريدة ضد جرائم الاحتلال. وفتح المجال لسقط القوم لمهاجمة فلسطين وخط المملكة السابق في دعم قضيتها، ولو من خلال التبرّعات المدرسية، وهو ما دفع الباحث السعودي، سلطان العامر، إلى إطلاق حملة ساخرة لإعادة تبرّعات من ندموا على دعم الفلسطينيين من مصروفهم المدرسي.

قصارى القول، التطبيع الفظيع الذي تشهده السعودية هذه الأيام، مقابل التشنيع على الفلسطينيين والتضييق عليهم، لن يسهم إلا في تعميق التزام الشباب السعودي بالقضية الفلسطينية، ورفضه الصهيونية، وألعاب السيرك الخطرة قد تجلب تصفيق الجمهور الصهيوني، لكنها لا تؤذي غير اللاعب المغامر الذي قد لا يجد شبكة أمان تحته.