الأمان الدولي

أنقرة - الرياض.. التوتر حتى إشعار آخر!
07/12/2017 - د. سمير صالحة

ضيقت الأزمة الخليجية هامش المناورة أمام تركيا، ودفعتها إلى التخلي عن مواقف وأساليب كلاسيكية متوازنة معتمدة في سياستها العربية، وألزمتها باتخاذ قرارات استراتيجية شبه حاسمة، قلبت حساباتها هناك رأساً على عقب. ولم تلق دعوة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الدول الخليجية إلى التهدئة ورفع الحصار المفروض على قطر آذاناً صاغية، ولم يكن لها صداها، فتركيا، وعبر قاعدتها العسكرية في قطر، معنية بلائحة الشروط والمطالب المقدّمة للدوحة، لا بل العكس، ما حصل أن شريحة واسعة من الإعلام الخليجي شنت ولا تزال، حملة على تركيا، تتهمها بـ«التدخل المباشر في شؤون البيت الخليجي والتسبب في زرع الانشقاقات بين دوله»، وما ينقذ تركيا بعض الشيء هو عدم وضعها خليجياً حتى الآن على مسافة واحدة مع إيران لناحية «الأطماع والتهديدات والمخاطر». 
اختار أردوغان الانحياز إلى الجانب القطري، وهو يعرف أنها مغامرة ستكون لها ارتداداتها على مسار العلاقات التركية السعودية، التي شهدت هباتٍ باردة وساخنة كثيرة، بسبب الملفين الخليجي والمصري، وخطوات الانفتاح والتقارب التركي الإقليمي المتزايد على ايران. وكانت مسارعة البرلمان التركي إلى المصادقة على الاتفاق العسكري بين تركيا وقطر بمثابة رسالة تركية الى القوى الإقليمية، وأهمها السعودية، مفادها أن تركيا شعرت بأن مصالحها في الخليج مستهدفة، ليس بسبب رفض الرياض عروض استضافة الجنود الأتراك وإنشاء قاعدة عسكرية تركية هناك، بل بسبب «إصرار بعضهم على تنفيذ مخططات غربية لإخراج أنقرة من المشهد الخليجي»، كما كرّرت أصوات سياسية وإعلامية مقرّبة من حزب العدالة والتنمية (الحاكم) مراتٍ. 
هناك من سيستفيد في الخليج من تدهور العلاقات التركية السعودية، لكن هناك من يرى أيضا أن المشجّع الأول على هذا التدهور هو الولايات المتحدة الأميركية التي تراجعت علاقاتها أكثر فأكثر مع أنقرة أخيراً، والتي سترى حتماً في انتكاسة العلاقات بين الرياض وأنقرة مزيداً من الفرص لتطويق تركيا ومحاصرتها. 
قول الرئيس التركي، أردوغان، إن «لعبة ما تدار خلف كواليس الأزمة، لم نتعرّف إلى تفاصيلها بعد»، ثم إعلانه أن تركيا متمسكة بالوقوف الى جانب قطر في رفض تهم دعم الإرهاب وضرورة رفع الحصار عنها «تماماً ونهائياً»، هو الذي تقدم على كل الرسائل الانفتاحية التي وجهتها تركيا إلى الرياض تحت عنوان «نحن مع قطر، ولكن ليس ضد السعودية». وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، إن «في وسع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز أن يلعب دوراً أساسياً في حل الأزمة الخليجية، على اعتبار أنه قائد أكبر دولة هناك»، ولم تعبأ الرياض كثيراً بما قالته أنقرة. 
وقد وصل توتر العلاقات أخيراً إلى نتيجة لم يعلن الأتراك عنها رسمياً: إن من يريد أن يطالبنا بقطع علاقاتنا مع تنظيماتٍ يصفها بأنها إرهابية، عليه هو الآخر، أن يحترم هذا المبدأ، وأن تكون المعاملة بالمثل على أقل تقدير. والمقصود هنا قد يكون زيارة وزير الدولة السعودي، ثامر السبهان، إلى الرّقة على مرأى (ومسمع) قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذين هم جماعات إرهابية بنظر تركيا، وقد وصف القيادي الكردي في «قوات سورية الديمقراطية»، ريزان حدّو، الزيارة بأنها «زكزكة» للجانب التركي. وترى أنقرة أن استهدافها قد لا يكون خليجياً، لكنها مقتنعة بأن واشنطن هي التي توصي بعضهم بالتصعيد ضدها، بسبب انفتاحها الزائد على موسكو وطهران أخيراً. 
وهناك من يرى أن العلاقة بين تركيا والسعودية بين «شد وجذب»، وأن السعودية بالنسبة إلى تركيا دولة مهمة لن تفرّط بها، وما تسعى إليه تركيا الآن هو رأب الصدع الخليجي الذي نشأ جرّاء الأزمة مع قطر، وأن الأتراك يتعاملون مع السعودية على أنها دولة شقيقة، وأن ما يحدث من صدام بين البلدين بسبب الملف القطري، لن يؤدي إلى قطيعة، لكن تطورات ومعطيات كثيرة تقول شيئاً آخر: 
أولاً، التنسيق المعهود في الملف السوري غاب أخيراً، سواء على هامش اجتماعات المعارضة السورية ( الرياض 2) والقمة الثلاثية (بوتين وروحاني وأردوغان) في سوتشي. 
ثانياً، فيما كان وزير الدفاع التركي، نور الدين جانيكلي، يضع اللمسات الأخيرة على كلمته، في أول اجتماع لمجلس وزراء دفاع «التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب» في الرياض، ويستعد لاعلان موقف بلاده الداعم للتحالف، ودعوة الدول الإسلامية للتضامن والتعاون والوحدة في هذا الشأن، كانت الدول العربية الأربع المقاطعة لقطر تعلن لائحةً جديدةً باسماء المنظمات والأشخاص الذين «يدعمون الإرهاب»، وفي مقدمتها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. ووصفت الخارجية التركية على الفور، في بيان رافض هذا القرار، الادعاءات التي استندت اللائحة إليها بأنها عارية عن الصحة. وجاء في البيان أن إصدار هذا القرار في وقتٍ يحتاج فيه المسلمون للاتحاد والتضامن مع بعضهم بعضاً خطأ فادح، لن يخدم إلا الأطراف المعادية للإسلام، وأنه لا بدّ من التراجع عن هذا «التقييم الخاطئ» في أقرب وقت ممكن. 
ثالثاً، انفجار الأزمة الحكومية في لبنان، وعدم استشارة رئيس الحكومة سعد الحريري، صديق أنقرة وحليفها في أكثر من ملف، لها قبل خطوة استقالته، في قرار أزعج انقرة حتماً. وقد  سارع وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل، إلى ملء هذا الفراغ، بالتنسيق مع الرئيس ميشال عون وإعلان وزير الخارجية التركي مولود شاووش أوغلو: «أؤمن بأن الحريري سيتخذ القرار الصحيح والصائب، دون ضغط أي جهةٍ، بعد العودة إلى لبنان عن طريق التباحث مع رئيس الجمهورية أو مع الجهات السياسية الأخرى ومع حزبه»، هي نتيجة أرادتها أنقرة بالتنسيق مع الرئيس اللبناني، ويبدو أن هذا ما حدث، وترى فيه تركيا خطوة قطعت الطريق على تفجير أزمة سياسية جديدة في لبنان. وهذه رسالة تعني الرياض، ولها علاقة بالتباعد التركي السعودي في التعامل مع الملف اللبناني. 
وفيما كنا نستعد لطرح سؤال عما إذا كان الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس أردوغان بالملك سلمان، بعد قمة سوتشي الثلاثية، قابلاً للتحول إلى فرصة في فتح صفحة جديدة من العلاقات التركية السعودية، دخلت طهران على الخط لتقول إن وزير الصناعة الإيراني، محمد شريعتمدارى، ونظيره التركي نهاد زيبكجي، ووزير الاقتصاد والتجارة أحمد بن جاسم آل ثاني، وقعوا مذكرة تفاهم ثلاثية على طريق تعزيز العلاقات، وتسهيل نقل البضائع إلى الدوحة، من خلال إنشاء خط حركة المرور العابر والنقل «ترانزيت» من تركيا إلى قطر عبر إيران.}