الأمان الإقليمي

نقل السفارة.. العنوان الأبرز للأجندة الأميركية العدائية
16/02/2017

يبدو القلق الذي يساور قطاعات واسعة من الفلسطينيين عقب تنصيب دونالد ترامب على سدة الرئاسة الأميركية مبرراً، بل إن الأمر يتعدى القلق نحو رؤية معقدة تلقي بظلالها القاتمة على تفاصيل المشهد الفلسطيني الأميركي في ظل المواقف العنصرية والسياسات العدائية التي جاهر بها ترامب وفريقه الحاكم إزاء القضية الفلسطينية وملفاتها الرئيسة.
 نقل السفارة.. مسألة وقت
العنوان الأبرز الذي يلامس تعقيدات العلاقة الفلسطينية الأميركية يكمن في نية ترامب نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، ويبدو أن قراراً عملياً قد اتخذ بشأن نقل السفارة، إلا أن هناك من أشار على ترامب بشيء من التروي وتأجيل العملية لدواع ومقتضيات سياسية مصلحية بحتة، تتأسس على ضرورات استكشاف مواقف الأطراف ومآلاتها المحتملة، وعدم بدء المرحلة الرئاسية بصدام غير محمود يسهم في توليد ردود فعل سلبية تلقي بظلال من التشويش على مخططات ترامب وبرنامجه القادم. لكن الأكثر أسفاً أن أحاديث نقل السفارة رغم أهميتها الرمزية ومدلولاتها السياسية قد غطت على القضايا الأكثر أهمية وخطورة مثل قضيتي التهويد والاستيطان اللتين يُتوقع أن تشهدا سعاراً كبيراً خلال المرحلة القادمة، فقد تمحور الفعل السياسي حول إدانة هذا القرار المؤجل (نقل السفارة) الذي يشكل فرعاً من الفروع في مقابل الأصول والكليات التي تُهتك ويجري هدم بنيانها صباح مساء. وهكذا، لن يطول الوقت حتى تبدأ إدارة ترامب في تنفيذ أول بنود أجندتها تجاه ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وحينها لن يكون نقل السفارة سوى بند يتيم وصغير ضمن منظومة البنود التي تنتظر حكومة الاحتلال تنفيذها بفارغ الصبر.
الموقف الفلسطيني
لا شك في أن الموقف الفلسطيني، رسمياً وفصائلياً وشعبياً، يموج تحت صفيح ساخن هذه الأيام، ويعيش مرحلة انتظار عسيرة يشوبها الكثير من الضغط والخوف والاضطراب. فالموقف الفلسطيني الرسمي المتمثل في السلطة الفلسطينية غارق في القلق والتيه العميق، وينتظر على أحر من الجمر الخطوات والمواقف العملية لإدارة ترامب على الصعيد الفلسطيني الإسرائيلي، ويعمل على تأويل الإشارات والتصريحات الصادرة عن أركان إدارة ترامب بما يتلاءم مع أماني السلطة ورغباتها السياسية، ويحاول أن يتماهى مع الوهم القائل بإمكانية تغير موقف إدارة ترامب تحت ضغط المصالح والاستحقاقات السياسية التي كان معمولاً بها زمن إدارة أوباما.
وهنا تظهر إلى الواجهة تصريحات عزام الأحمد قبل عدة أيام التي عبرت عن تفاؤل كبير حيال عدم نقل السفارة، وحاولت تقديم رؤية غير صحيحة مبنية على فهم مغلوط لتصريحات صادرة عن بعض أركان إدارة ترامب، الأمر الذي استدعى رداً فورياً صادراً عن بعض مسؤولي الإدارة ينفي هذا الفهم المغلوط، ويضع القضية في سياقاتها الطبيعية الأولى المؤكدة لعدم تراجع ترامب عن قراره بنقل السفارة خلال المرحلة المقبلة. لكن الثقة المفرطة التي عبر عنها الأحمد حين أكد جاهزية السلطة للتصدي لنقل السفارة حال حدوثه عبر سحب الاعتراف بإسرائيل وتعزيز الوضع الفلسطيني الداخلي واللجوء إلى مجلس الأمن الدولي وغيرها، لا تبدو مفهومة أو منطقية بالمعنى السياسي في ظل اختلال موازين القوى والاصطفاف الدولي المعروف إلى جانب الموقف الأميركي، ويمكن وضعها في خانة التلويح والإيحاء بسعة الخيارات السياسية للسلطة، ومحاولة توجيه الضغط على الإدارة الأميركية الجديدة التي تسير أشبه ما يكون بـ«البلدوزر» دون أي كوابح حقيقية.في الأعم الأغلب فإن القرارات الأولى للإدارة الأميركية الجديدة لن تشتمل على قرار نقل السفارة، وفي ذلك أريحية مؤقتة للسلطة، إلا أن إقدام إدارة ترامب على نقل السفارة مستقبلاً من شأنه أن يضع السلطة أمام موقف بالغ الحرج، ويجبرها على إعادة النظر في تهديداتها في ظل العجرفة الهائلة التي يتشح بها الموقف الأميركي الجديد.
الموقف العربي والإسلامي
من الصعب تصور موقف عربي وإسلامي مهاب الجانب في مواجهة الانفلات الأميركي القادم، إذ إن عناصر إنبات أو استنهاض أي موقف عربي وإسلامي رصين لإسناد ومؤازرة الحقوق الفلسطينية لم تتوافر في الماضي، ما يعني أن فرص التصدي للمواقف والسياسات الأميركية الجديدة تبدو أقرب إلى المستحيل.
حين تنتقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس فإن الظاهرة الصوتية التي ميزت المراحل الماضية سوف تتكرر في البداية تحت أشكال متعددة، إلا أنها ستخفت تدريجاً مع تطور الفعل والنفوذ والهيمنة الأميركية، وستصبح شيئاً مألوفاً واعتيادياً لن يحظى بأكثر من كلمة هنا أو هناك دون أي قيمة أو مضمون عملي. ولعل الأكثر خطورة من هذا كله، أن ينتقل قادة الأمة نقلة نوعية ولكن في الاتجاه السلبي، إذ ليس غريباً أن تخلع الأنظمة والحكومات العربية والإسلامية عباءة مواقفها التقليدية القديمة المتوشحة بالشجب الكلامي والتنديد الإعلامي، وتتدثر بأردية ترامب الجديدة وتدور في فلكه حيث دار رغباً ورهباً، وتصبح جزءاً من منظومة مواقفه وسياساته الإقليمية والدولية. فوق ذلك، فإن انكفاء الدول العربية والإسلامية على همومها ومتاعبها الداخلية، واستمرار الجرح النازف في بعض البؤر العربية الملتهبة، يجعل التعويل على استجلاب معونتها السياسية لدعم وإسناد القضية الفلسطينية نوعاً من الهرطقة السياسية الممجوجة التي لا طائل من ورائها. وفي كل الأحوال فإن المعالجات العربية والإسلامية المتوقعة لأشكال التغول الأميركي ضد القضية الفلسطينية سوف تشكل نعياً عملياً للدور العربي والإسلامي تجاه الفلسطينيين وقضيتهم، وانخراطاً في مرحلة جديدة لا مثيل لها من الوهن العربي والإسلامي الكبير.
أفق المواجهة
مع كل هذه المؤشرات السلبية التي تكسو موقف إدارة ترامب تجاه القضية الفلسطينية وملفاتها الرئيسة، ومن بينها نقل السفارة وشرعنة ودعم الاستيطان وتهويد القدس والمسجد الأقصى وطمس الحقوق والثوابت الفلسطينية، تفرض المسؤولية الوطنية الفلسطينية والمسؤولية العربية والإسلامية عدداً من العوامل والإجراءات الواجب اتخاذها من أجل التصدي لجموح الموقف الأميركي إبان المرحلة القادمة، وذلك على النحو التالي:
أولاً: تدشين موقف فلسطيني موحد في إطار استراتيجية وطنية فلسطينية متوافق عليها بهدف مواجهة المواقف الأميركية العدائية إزاء نقل السفارة والاستيطان والتهويد وغيرها بشكل موحد، ولن يتأتى ذلك إلا عبر إنهاء الانقسام الفلسطيني وتحقيق التوافق الوطني
ثانياً: التوافق على برنامج وطني كفاحي لمواجهة الاحتلال وإشغاله واستنزاف مقدراته، بحيث تقع المقاومة الشعبية منه في القلب والصميم، لأن المقاومة الشعبية قادرة على استنهاض الطاقات الشعبية والجماهيرية الفلسطينية التي تشكل الشريحة الغالبة لدى الفلسطينيين، فضلاً عن قدرتها على إيلام الاحتلال وفضح مخططاته العنصرية وإجراءاته القمعية أمام الرأي العام العالمي.
ثالثاً: تشكيل فريق عمل قانوني فلسطيني وعربي وإسلامي رفيع المستوى يتولى إعداد وتهيئة الملفات الخاصة بجرائم الحرب الإسرائيلية والانتهاكات الأميركية للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ومن بينها قضية نقل السفارة وغيرها من الجرائم والانتهاكات، والعمل على رفعها إلى المجموعة العربية والإسلامية في المنظمات الدولية لتقديمها بشكل رسمي أمام محكمة الجنايات الدولية والمحافل الأممية المختلفة.
رابعاً: بلورة موقف عربي وإسلامي موحد من خلال الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بحيث تلتزم به الدول العربية والإسلامية، ويقضي بإدانة أي قرارات أو إجراءات أميركية تنتهك الحقوق الفلسطينية وتخالف نصوص القوانين والمواثيق والقرارات الدولية الخاصة بالقضية. 
وختاماً.. فإن المقترحات السابقة التي تشكل آفاقا حيّة لمواجهة العنصرية الأميركية الجديدة التي تخطط لتصفية القضية الفلسطينية، لا يمكن أن ترى النور بمعزل عن تحقق إرادة العمل والنهوض الذاتية، فلسطينياً وعربياً وإسلامياً، التي تبدو في أوج غيابها هذه الأيام، ما يشرّع الآفاق نحو تجرّع ومكابدة مرحلة مؤلمة وصعبة وقاسية بكل المقاييس.