الأمان الإقليمي

نحو قيادة موحدة وتوجه واحد لانتفاضة فلسطينية
12/01/2018 - محمد أمين

لا يحتاج الفلسطينيون مزيداً من البراهين للتدليل على انهيار عملية السلام، وتضاؤل بل انعدام فرص التوصل إلى حل سياسي للصراع مع إسرائيل، إذ شكل تصويت الكنيست أخيراً على قانون القدس، وقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الرصاصة الأخيرة في نعش ما كانت تعرف بعملية السلام.
وليس مفيداً، ولا مطلوباً، الإغراق في تحليل (وتفسير) أسباب هذا التجاوز لكل الخطوط الحمر من التحالف «الصهيو أميركي» الجديد، بقيادة كوشنر – نتن ياهو، لكن المطلوب هو البدء فوراً في تشكيل قيادة فلسطينية موحدة لإدارة الصراع مع الاحتلال، وفقاً لهذه المعطيات الجديدة، التي تشير إلى إلغاء تل أبيب خيار المفاوضات أو الحل السياسي، والشروع عملياً بإجراءات ميدانية وقانونية لتصفية القضية الفلسطينية، وعلى مسمع ومرأى من العالم، يشاركها ويشجعها في مسعاها رئيس أميركي أرعن، وصهر يدير السياسة الخارجية بمؤهل واحد، أنه زوج ابنة الرئيس.
صحيح أن نتن ياهو يواجه أزمة داخلية، واتهامات بالفساد، وتم استجوابه للمرة السابعة في قضايا فساد ورشوة، وربما بمحاولته إقرار هذه القوانين المتطرّفة في الكنيست يحاول الهروب إلى الأمام، لكن يبدو واضحاً أيضاً أن هناك مخططاً إسرائيلياً قديماً، يعيد نتن ياهو طرحه اليوم بقوة، مستفيداً من حالة الوهن العربي، والتآمر والتواطؤ المباشر من دول عربية في المنطقة، لتصفية القضية الفلسطينية عبر مشروعٍ، جزء منه توطين الفلسطينيين في سيناء، وهو مشروع قديم، ذكره الشهيد صلاح خلف، في إحدى كلماته المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، وحذر من إعادة ترويجه مستقبلاً، ورأى أن المقاومة الشعبية هي السبيل الوحيد لمواجهته، إذ تمثل ذلك المشروع في السعي الإسرائيلي إلى إقامة دولة في غزة، على غرار ما جرى التوصل إليه في عام 1953 في مباحثات بين الولايات المتحدة والحكومة المصرية التي كانت تتولي الإشراف على القطاع آنذاك، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، إذ توصلت الأطراف في تلك الحقبة الزمنية إلى اتفاق، تقدّم مصر بموجبه 50 ألف فدان من أراضي شمال غرب سيناء لتنقل الوكالة اللاجئين الفلسطينيين وتوطنهم في تلك الأراضي، وكانت إسرائيل تتطلع إلى تنفيذ هذا، لكن المقاومة الشعبية والرفض الفلسطيني أسقطا ذلك المشروع.
ويبدو اليوم أن قادة جدداً في المنطقة تعهدوا للرئيس الأميركي بإعادة تنفيذ هذا المشروع، ويضغطون على الطرف الفلسطيني بالقبول بما باتت تعرف بصفقة القرن، المتضمنة إلغاء حل الدولتين، وتوطين الفلسطينيين في سيناء، مع اعتبار أن الأردن هو فلسطين، ولعل استشعار ملك الأردن بالخطر، وعمق (وامتداد) هذه المؤامرة التي تدار ضد القضية الفلسطينية وضد المملكة الأردنية الهاشمية، دفعه إلى التصعيد أخيراً في مواقفه، وتحذير الدول المتورّطة من خطورة المضيّ في أي حل على حساب الأردن.
إزاء هذه التطورات، وانهيار مسار التسوية السياسية، وكذلك الأزمة التي يعيشها خيار المقاومة، بات خيار الانتفاضة الثالثة هو الخيار الشعبي الوحيد ربما للخروج من هذه الأزمة، ونقلها إلى الداخل الإسرائيلي، ومطالبة إسرائيل بتحمل مسؤولياتها، باعتبارها دولة احتلال، ونزع الغطاء الذي تمنحه إياها اتفاقية أوسلو أمام المجتمع الدولي. والمطلوب من الشعب الفلسطيني تفعيل المقاومة المدنية التي تعرّي الاحتلال، وتعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل أوسلو، وهو معادلة شعب تحت الاحتلال يطالب بحقه المشروع في التحرّر وتقرير المصير، وفضح نظام الفصل العنصري الذي تقوده تل أبيب، وهذا يستدعي وعياً فصائلياً ووطنياً، وتوقف حركتي فتح وحماس عن لعبة تبادل الاتهامات التي باتت ممجوجةً، ولا قيمه لها في ظل عجز الطرفين، فاستمرار هذه الممارسات يشكل خدمةً مجانيةً للمشروع الصهيوني.
المطلوب هو التحلل من «أوسلو» التي أدخلت القضيّة الفلسطينية في نفق مظلم طويل دام أكثر من 25 عاماً، دمر خلالها مستقبل الشعب الفلسطيني، وكبّل حركة تحرّره بهذه الاتفاقيات، ويجب على حركة حماس أن تتحلل هي الأخرى من سلطة أوسلو والعودة إلى هويتها كحركة مقاومة وتحرّر وطني.
ليست الدعوة هنا إلى حل السلطة بشكل مفاجئ، فلا يتصوّر أن يصحو سكان الضفة الغربية وقطاع غزة في اليوم التالي، فلا يجدوا سلطة تدير أحوالهم، لكن إذا استمرت هذه السلطة فسنصحو ولا نجد وطناً، ولا بقايا وطن، فالقدس اليوم تضيع من بين أيدينا، فيما يتصارع أبناؤه على وهم السلطة. المطلوب أن تسحب السلطة الفلسطينية الاعتراف بإسرائيل، وتجمد وظائفها، وخصوصاً التنسيق الأمني، وتضع الاحتلال أمام مسؤولياته، ثم تشكيل قيادة فلسطينية موحدة للانتفاضة الوطنية التي ستقود هذه المرحلة، بعد القرارات السابقة، وبغير هذا سنستمر بالدوران في حلقة مفرغة.}