العدد 1373 / 7-8-2019

الجنازة المهيبة التي نظمتها تونس للرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، جعلت العالم يتحدث عن سابقةٍ نادراً ما تحدث في العالم العربي. رئيس منتخب ديمقراطياً يودّع وداعاً رسمياً وشعبياً غير مسبوق في منطقتنا العربية، فالجنازة التي حضرها قادة من العالم، وخرج الشعب التونسي بتلقائية لوداع رئيسه الذي لم يفرض رئاسته عليه، ولم يكن ينوي الترشح لولاية ثانية، على الرغم من أن الدستور التونسي يمنحه هذا الحق، جعلت كثيرين يتذكّرون أنها المرة الأولى التي تقام فيها جنازة مهيبة لرئيس دولة عربية منتخب، توفي وهو على رأس السلطة، رئيس دولة خرج جثمانه من القصر محمولاً على الأكتاف، وعلى أنغام النشيد الوطني لبلاده.

الحدث التونسي الجلل هو الذي يدفع إلى المقارنة ما بين مسار رجلين طبعا تاريخ بلديهما المعاصرين، لكن نهايتهما كانت مختلفة، إنه مسار الرئيس التونسي الراحل السبسي، ومسار الرئيس الجزائري المُقال عبد العزيز بوتفليقة، والمفارقة أنهما رئيسان لدولتين مغاربيتين وجارتين، تتقاطع سيرتهما في محطات كبرى كثيرة عاشها بلداهما.

كلاهما من الرعيل الأول المؤسس للدولتين الحديثتين في تونس والجزائر. بوتفليقة رافق هواري بومدين الذي طبع الدولة الجزائرية الفتية بعد الاستقلال بحكمه الذي جمع ما بين التقدّمية والدكتاتورية، وكان وزير خارجيته، وبمثابة مستشاره الأقرب، وخصوصاً في الشؤون الخارجية، وظل يعتبر وارث سرّه وفكره الاشتراكي ونهجه التقدمي. وانطلاقاً من هذه الخلفية "استدعاه" العسكر عام 1999، ليقدموه مرشحاً وحيداً، ويفوز برئاسة بلاده بلا منازع. والسبسي رافق مؤسس الدولة التونسية الحديثة، الحبيب بورقيبة، وشغل عدة مناصب وزارية في عهد من يوصف بأنه أب الدولة التونسية الحديثة، وأطول رؤسائها حكماً. وعلى الرغم من اختلافه معه إبان حكمه، وخصوصاً عندما أراد بورقيبة أن يخلّد نفسه رئيساً أبدياً على تونس، ظل السبسي يجسد استمرارية فكر بورقيبة التحرّري والليبرالي. وعلى هذا الأساس، قدم نفسه للتونسيين عام 2014، عندما ترشّح، في أول انتخابات رئاسية ديمقراطية وشفافة تشهدها بلاده، فنال ثقتهم.

كلا الرجلين تولى رئاسة بلاده في مرحلة عصيبة كانت تمر بها. جاء بوتفليقة إلى حكم بلاده عام 1999 كمخلص لها من حربٍ دمويةٍ استمرت عشر سنوات، وأزهقت أرواح أكثر من مائتي ألف يعدّون اليوم ما بين قتيل ومفقود. ونجح بوتفليقة، خلال ولايته الأولى، وبدعم من المؤسسة العسكرية، في إطلاق مبادرة الوئام الوطني التي وضعت حداً لما يوصف اليوم في الأدبيات الجزائرية بـ "العشرية السوداء". ولكن بوتفليقة الذي استطاب الحكم سيجدّد لنفسه مرة ومرتين، وسيعدل دستور بلاده ليمدد لنفسه لولايتين، ثالثة ورابعة، ترشح لهما وهو مقعد على كرسيّ متحرك، بعد أن أصيب بجلطة دماغية شلّت حركته وأخرست لسانه. ومع ذلك حكم بلاده أربع سنوات مثل ظل غير مرئي، وشبح كثرت الشائعات بشأن موته، وهو الحاكم بأمره من خلف ستار، وكان ينوي التمديد لنفسه لولاية خامسة، لولا أن الشعب الجزائري انتفض في شباط من العام الجاري، وأجبره على التنحي بالطريقة المهينة لتاريخه الطويل الذي وضع له نهاية شكسبيرية مأسوية سَتَجُبُّ ما قبلها!

أما السبسي، فالضرورة هي التي استدعته إلى رئاسة بلاده في مرحلة عصيبة من تاريخها. وعند لحظة فارقة في التاريخ الحديث للمنطقة العربية، بعد الزلزال الكبير الذي خلفه "الربيع العربي"، الذي انطلق من تونس. وعندما كانت تونس توجد أمام مفترق طرق كبير مُشرَع على كل الاحتمالات، ظهر السبسي على رأس حركته "نداء تونس"، مثل المُخلّص الذي أرسلته السماء. وطوال فترة حكمه الذي كان من المتوقع أن ينتهي في تشرين الأول المقبل، أدّى الرجل دوراً مهماً في قيادة بلاده لعبور مرحلة انتقال ديمقراطي عصيبة. ونجح، بفضل حكمته، في إبرام توافق تاريخي مع الحركة الإسلامية التونسية، ممثلة في حركة النهضة، ما جنب تونس السقوط في مطبّاتٍ كثيرة نسفت استقرار دول عربية، وحوّلتها إلى دول فاشلة، وما زالت تعبث بمصير دول أخرى، وتهدّد بتدميرها.

ولكن مسار الرجلين سيختلف، وسيظهر معدن كل واحد منهما عندما يقتربان من السلطة أو عندما يتوليانها، ومن أعلى قممها، كل في بلده؛ فالسبسي، على الرغم من قربه من مثله الأعلى بورقيبة، حافظ على استقلالية كبيرة في الفكر والقرار، عرف متى يقترب منه ومتى يبتعد عنه، عندما بدأ يغير مساره السياسي، ويتخذ منحىً ديكتاتورياً في الحكم، وخصوصاً بعد أن بدأ تصفية خصومه السياسيين أو اعتقالهم، أو بعد تعديله الدستور لتكريس نفسه رئيساً أبدياً لتونس، أو عند قمعه تظاهرات التونسيين المطالبين بالخبز، ففي كل هذه المحطات سجّل السبسي موقفه المعارض لرئيسه وزعيمه، بلا مجاملة ومن دون خوف.

وحتى عندما دانت له الرئاسة، وكان سيكون مرشحها الأوفر حظاً في تشرين الأول المقبل، أعلن السبسي قبل ذلك بشهور زهده في ولاية ثانية مستحقة، وكأنه كان يعلم ما يخبئه له القدر، إذ مات وهو على كرسيّ الرئاسة، وشيعت جنازته الرئاسية من داخل القصر الذي دخله محمولاً على أصوات الناخبين، وخرج منه محمولاً على الأكتاف، ومزفوفاً على أنغام نشيد بلاده الوطني، ودموع البسطاء من شعبه.

أما بوتفليقة الذي زَيَّنت له الجلوس على كرسيّ الحكم ملاذُّ السلطة وأوهامها، فقد ظل كما كان دائماً طوال مساره، تابعاً لا متبوعاً.

كان تابعاً لرئيسه وزعيمه بومدين، لم ينتقده يوماً ولم يعارضه على الرغم من حكمه الدكتاتوري الذي قضى خلاله على رفاقه، واعتقل معارضيه، وحكم بلاده بقبضة من حديد ونار.

وعندما أتيحت لبوتفليقة فرصة أخرى لتصحيح صورة الزعيم الهارب من المحاسبة، ويخلد محلّها صورة رئيس المصالحة، لم يعرف كيف يحافظ على نقاوة الصورة الثانية، عندما تشبث بشكل مرضيّ بكرسيّ السلطة، حتى أزيح عنه بتلك الصورة المهينة والمذلة، عندما أجبر على تقديم استقالته، وهو شارد الذهن تائه النظرات مُتكَوِّم في لباس نومه فوق كرسيّه المتحرّك.

شتان ما بين خروج السبسي التاريخي من قصر قرطاج، وهو عريس موكبه الجنائزي المهيب، وإطلالة بوتفليقة الأخيرة من إحدى غرف نومه في قصر المرادية، وهو يسلّم الاستقالة التي فرضت عليه مرغماً لا بطلاً، فنعم العقبى للأول، و...