الأمان الإقليمي

في سوريا متى يسقط بشار الأسد؟
09/11/2017 - ميشيل كيلو

يكتفي معارضون سوريون كثيرون بتكرار مطالب الثورة، لاعتقادهم أن ذلك كفيل بتحقيقها، ويتوهمون أن أهداف السياسة تتحقق بقدر ما نجريه على ألسنتنا، وأنها لا تحتاج إلى توسطات تنقلها من مستواها الفكري المجرّد إلى الصعيد الواقعي الملموس الذي تتجلى فيه وحده صوابية السياسة. 
لا تقتصر السياسة على أهدافها، ولا تكون صحيحة إلا بقدر ما تسهم في بناء ميزان قوى يتكفل ببلوغها، وبوضع برامج مرحلية تتفوق على ما يعتمده الخصم منها. ولم يسبق أن نجحت ثورة استبدلت هدفها الاستراتيجي، الأعلى والعام، بهدف أدنى وجزئي، هو مفردة بين مفرداته المتنوعة. في المقابل، يرتبط نجاح أي ثورة بنمط تفاعل مفرداتها الذي يتوقف بلوغ هدفها الأعلى عليه. ومن الخطأ قياس انتصار الثورة وفشلها، الثورة المستمرة منذ قرابة سبعة أعوام، بمعيار وحيد هو رحيل الأسد أو بقاؤه، وتجاهل واقع الثورة المتشعب والمعقد، الذي يقرّر نجاح مطالبها أو فشلها، بما في ذلك مطلب رحيل الأسد الذي ليس صحيحاً أو منطقياً القول إن تحققه يعني حكماً انتصار الثورة، ما دام رحيله بالموت، على سبيل المثال، لا يعني في ظرفنا الراهن، أن الثورة هزمت إيران وروسيا والمرتزقة والشبيحة، وأن مسارها الانحداري انقلب إلى تصاعدي، وأنها تجاوزت بنيتها الكارثية القائمة وأخطاءها وتبعثر قواها، وتناقضات مكوناتها السياسية والعسكرية؟ ثم، أليس محتملاً تخلص الروس أو الإيرانيين من الأسد، لا لكي تنتصر الثورة، بل لمنع انتصارها؟ 
في هذه الحالة، هل يكون تخلصهم منه انتصارا للثورة؟ سيسقط انتصار الثورة الأسد، هذا لا شك فيه، لكن سقوطه لا يعني بالضرورة انتصار الثورة، لأن ميزان القوى الراهن والوضع الدولي لا يسمحان بذلك. ألا يحتم هذا الاعتراف إعطاء الأولوية في خططنا وممارساتنا لبناء أوضاع تجعل رحيله هدفاً قابلاً للتنفيذ، يخدم بصورة حصرية الثورة، وليس مطلباً كلاماً يعانده الواقع، ويفرغه من أي مضمون؟ 
بعد سبعة أعوام من التضحيات، ليس صحيحاً أو جائزاً، ربط نجاح الثورة ومصيرها بمصير الأسد. الصحيح ربط مصيره بنجاحها، الصعب اليوم إلى درجة الاستحالة، بسبب أوضاعٍ علينا تكريس أولوياتنا لإخراج الشعب والثورة من احتجازاتها القاتلة الراهنة، التي تحول دون تحقيق أهدافنا، وفي مقدمها إسقاط الأسد ونظامه، وانتصار الثورة هدف لن نبلغه، ما لم نخضع له أنشطتنا ومطالبنا جميعها، إن كنا نريد حقاً الانتصار. 
لن يرحل الأسد، ولن يزحزحه شيء أو أحد عن موقعه، غير من يملكون القدرة على ذلك. ونحن لسنا اليوم منهم للأسف، لأسباب منها أننا دأبنا على اعتبار رحيله مسألة كلام، ونسينا أن أوضاعنا المزرية تلعب الدور الأكبر في بقائه! لذلك، إذا لم نقلع عن إسقاط القاتل بالكلام، ولم نتوقف عن اعتماد المطالبة الكلامية برحيله معياراً للثورية، وقعنا في فخٍّ مهلك، يقوم على فرز السوريين إلى فسطاطين: فسطاط الثوريين الأقحاح، مع أنهم يكتفون من إسقاط الأسد بالكلام، و«فسطاط الخونة» الذين يصرّون على توفير الشروط العملية لإسقاطه. هذا الفرز، في حال وقوعه، لن يكون له أي عائد، غير إضعاف الثورة بدل تقويتها، وصرف أنظارنا عن واقعٍ تمس حاجتنا إلى استبداله بآخر، يمدنا بالقدرة على بناء نظام وطني ديمقراطي، لن يكون السفاح رئيساً له، ولن ينهض إلا على جثة نظامه وجثته! 
يفصل بعض معارضي سورية إسقاط الأسد عن واقع الثورة، ويجعلون التخلص منه قضيتها المركزية، ويتجاهلون أن عدم وقف تردّيها سيسقطها هي ويبقيه، فلا يكون الكلام عندئذ عن أولوية إسقاطه غير مجرد فقاعات لفظية، لا تسمن ولا تغني، تطلقها نيات حسنة، لا تهزم عدواً أو تنصر صديقاً!}