الأمان الإقليمي

عصابات النظام السوري قتلت مليوناً.. وما زالت مرعوبة!
16/02/2017 - غازي دحمان

ثلاثة عشر ألف شاب، من طلاب الثانويات والجامعات من أبناء السوريين، أعدمتهم ماكينة الغدر ليلاً وبالسر، فالقاتل يعرف أنه يرتكب جريمة بشعة، لذا يداريها من لحظة اختطاف الضحايا ثم التنكيل بهم في السجون وصولاً إلى الرحلة الأخيرة للمقابر الجماعية التي ليست سوى عناوين ضائعة.
يعترف تقرير منظمة العفو الدولية بأن هذا الرقم أقل بكثير من الأرقام الحقيقية. ويعرف السوريون تلك الحقيقة، عشرات آلاف الأسماء ضاعت أخبارها وملامحها وفقد ذووهم الأمل في أن يلتقوا بأحبتهم يوماً، جل ما كانوا يتمنونه أن يموت أولئك الأحبة بتعذيب أقل.
ما لم يذكره أي تقرير لمنظمة دولية حتى اللحظة ورواه سجناء خرجوا لقاء فديات من سجون الأسد، تلك الأعداد الكبيرة من الموتى تحت التعذيب، وبدون أسباب واضحة سوى الرغبة قي القتل من قبل الوحوش الآدمية التي تدير تلك السجون، حيث يجولون كل صباح على عنابر السجون ويجبرون السجناء على الركوع ووجوهم إلى الحائط، ويجري ضربهم بأعقاب البنادق وعصي الحديد على رؤوسهم والمناطق الحساسة بأجسادهم، وفي كل جولة صباحية يومية يموت العشرات ربما ليخلوا أمكنتهم لعشرات قادمين جدد، ولتستمر ماكينة الموت بابتلاع المزيد من الأرواح.
لقد وثّقت منظمات سورية أكثر من ثلاثمائة ألف حالة فقدان انقطعت أخبارها نهائياً على مدار الأربع سنوات الأخيرة، ويعرف كل سوري على قيد الحياة الآن واحداً أو أكثر من الأشخاص المختفين، وهذا الرقم يختلف عن السجناء المعلومين الذين بات ذووهم يعرفون أماكنهم بعد رحلة عذاب مريرة، غالباً كلفتهم ملايين الليرات السورية حتى يصبح أبناؤهم في وضعية السجناء المعلومين.
في سورية عشرات السجون، وعشرات الجهات التي تمارس عمليات الاعتقال، بالإضافة إلى أن جميع الميليشيات العراقية والأفغانية واللبنانية لديها سجون ومعتقلين، وسؤال الأهل عن مصير أبنائهم بشكل مباشر مغامرة قد تنتهي باعتقال العائلة وإخفائها، لذا غالباً ما يتم الأمر عبر وسطاء من الأجهزة الأمنية الذين يتقاضون مبالغ هائلة عن كل مرحلة، وفي حالات كثيرة يتم إخبار الأهل بأن الأمر صعب جداً لأن تهمة المعتقل خطيرة وتمس بالأمن القومي.
خذوا مثلاً بعض العينات من وقائع معلومة في سورية، بتاريخ 5/1/2014 أعلن النظام أنه سيفتح معابر آمنة لخروج المواطنين من مناطق جنوب دمشق «مخيم اليرموك والحجر الأسود وسبينة» وخرجت مئات العائلات، وما حصل أنه لدى وصولهم إلى حاجز حجيرة فتحت عناصر الحاجز النار على المواطنين فقتل على الفور العشرات وتم اختطاف أعداد كبيرة من الشباب، جزء كبير منهم بين سن 12- و16 عاماً، وحتى تاريخه لم يعرف ذووهم أي أخبار عنهم، وغالباً ما تأتي الأجوبة للأهل عبر الوسطاء أن أبناءكم لديهم قضايا خطيرة.
قبل ذلك بوقت قليل كانت قوات نظام الأسد والميليشيات المساندة لها قد سيطرت على مناطق سبينة والحسينية والديابية والسيدة زينب، وكان لا يزال فيها بضعة آلاف لم يستطيعوا الهرب بسبب وجود أطفال وكبار في السن، الآلاف من هؤلاء اختفت آثارهم وأخبارهم وأصاب اليأس ذويهم من إمكانية اللقاء بهم ثانية في هذه الحياة. المؤكد أن مئات الآلاف من المخفين ليس لهم أي علاقة بالعمل المسلح ضد النظام، أولئك يموتون على الجبهات وفي المعارك، واللافت أن جزءاً كبيراً من الذين اختاروا طريق العمل المسلح فعلوا ذلك لتأكدهم أنهم سيلقون مصيراً قاتماً لو تم القبض عليهم على الحواجز، وخاصة جيل الشباب منهم بعد أن اتضح أن نظام الأسد يعمل على تصفية هذا الجيل برمته. الأدهى من كل ذلك أن العالم أراح ضميره من كوابيس المذبحة بحق السوريين ولجأ إلى حيلة تسمية المذبحة بالحرب الأهلية التي لا يستطيع الآخرون أمامها سوى التمني بانتهائها، وكأن الطرف الآخر، الذي هو جزء من الشعب السوري، يشن حرباً أهلية إن هو طالب بنظام سياسي عادل وديمقراطي، وكان من حق الطرف الآخر استخدام كل أسلحة الإبادة بما فيها القتل غدراً وسراً في هذه الحرب الأهلية!
ستكتشف المنظمات الدولية الكثير عن مأساة السوريين، فما تم اكتشافه حتى اللحظة ليس سوى جرائم في أمكنة محدّدة يتم في العادة تسليط الضوء عليها، لكن في الديار السورية وعلى مدار ست سنوات كان هناك آلاف الحواجز والمفارز ونقاط التفتيش والمخافر وعشرات آلاف المجرمين الذين يبحثون عن دم يومي يشعرهم بطبيعتهم الإجرامية ويثبت إخلاصهم لمعلميهم المجرمين الكبار، فقد كانت الأوامر تأتي على شكل حصص مطلوبة يومياً من أعداد القتلى، كان المطلوب الوصول إلى رقم المليون قتيل، الذي توعّد به رئيس فرع المخابرات الجوية جميل الحسن، تنفيذاً لأوامر معلمه ذي الرتبة الأعلى، باعتبار أن هذا الرقم سيشكّل درساً لمئة عام قادمة ويضمن دفن الجيل الحالي والجيل القادم وكل من شاهد الثورة وسمع بها. ولا شك أن الرقم تجاوز المليون، ما بين قتلى القصف العشوائي والرصاص الحي وبراميل الكيماوي، وأولئك المُختفين، وعشرات آلاف الشباب الذين يجري احتجازهم وإرسالهم للجبهات ليموتوا بدون تدريب ولا تجهيز بذريعة الخدمة الإلزامية.
لكن أشواق الحرية لم تغادر صدور السوريين، وما زالت فرائص قاتليهم ترتعد ليل نهار، وكل «انتصار» حقّقه بشار الأسد كان مزيجاً من عمليات غدر واستخدام أساليب العصابات واستقواء بالخارج وابتزاز معارضيه بالنساء والأطفال وبلقمة الخبز ورشفة الماء.