الأمان الإقليمي

«عباس» والمصالحة المحتملة.. استحقاقات ثقيلة!
28/09/2017 - ماجد أبو دياك

أخيراً قبلت حماس بتفكيك اللجنة الإدارية لقطاع غزة، التي كانت تحاول سدّ ثغرة أحدثها تخلّف حكومة رام الله عن القيام بواجباتها تجاه القطاع المحاصر.
من الواضح أن حماس لم تعد راغبة في تحمل مسؤوليات إدارة قطاع غزة الثقيلة، في ظل الحصار المطبق الذي حرم الغزيّين الكهرباء وأغلق أبواب تحقيق مصالحهم وسدِّ احتياجاتهم المحلية من طب ودواء ومواد أساسية استهلاكية، وغيرها مما لا تستقيم الحياة إلا بها.
ولم تَبدُ السلطة الفلسطينية جادة في تسلم القطاع للاستمرار في لوم حماس بتعطيل المصالحة، ومحاصرتها حتى تقبل بالبرنامج السياسي الذي تتبعه السلطة في العلاقة مع العدوّ الإسرائيلي.
وتسلُّم السلطة لغزة اليوم يضعها أمام استحقاقات إدارة شعب ترتفع فيه نسبة البطالة لتتجاوز 50%، مع المجازفة بتضييق «إسرائيل» على محمود عباس وسعيها لأن تستبدل به غريمه عضو اللجنة المركزية المُقال من حركة فتح محمد دحلان.
استحقاق الانتخابات
أثار موضوع الانتخابات -الذي ورد في مطالب حماس بعد حل اللجنة الإدارية بغزة- جدلاً كبيراً في الساحة الفلسطينية، من ناحية موعدها ونزاهتها وطريقة إجرائها. وكثيراً ما دعا عباس إلى إجرائها معتقداً أنها ستُخرج حماس من المعادلة الفلسطينية في ضوء ضعفها واستمرار اعتقال كوادرها بالضفة الغربية.
ولكن هذا التعويل قد تكون له نتائج عكسية على السلطة إذا فازت حماس في الضفة، كما تشير إليه استطلاعات الرأي ونتائج الانتخابات البلدية والنقابية.
ولا يبدو عباس بأحسن أحواله في ضوء عدم تمكنه من تحقيق أي نتيجة بعملية التسوية، بسبب تعنت حكومة اليمين الإسرائيلي ووجود توجه للرباعية العربية (السعودية ومصر والإمارات والأردن) لإخراجه من المعادلة السياسية لمصلحة دحلان. ولهذا، فهناك شك في أن هذه الانتخابات ستعزز مكانته، فيما تتربص به حماس وتتشدد في شروط الانتخابات وطريقة إجرائها بما يحقق لها الاستفادة الكبرى. وكثيراً ما دعا عباس للانتخابات في وقت يواصل فيه اعتقال كوادر حماس وقياداتها وينسق مع الاحتلال لاعتقالهم، الأمر الذي يجعل إجراءها في هذه الظروف عملية صعبة ومغامرة سياسية بالنسبة إلى حماس. يشير هذا إلى احتمال إعادة عباس النظر في الانتخابات، خصوصاً أن مصر والقوى الدولية وقوى عربية أخرى تفرض فيتو على دور فاعل لهذه الحركة في حكم فلسطينيي الداخل، ما دامت ترفض الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقات الموقعة معها، الأمر الذي سيُدخل الساحة الفلسطينية في دوامة جديدة، ويجعلها عرضة للتدخلات الخارجية.
وتبدو انتخابات المجلس الوطني أكثر صعوبة وتعقيداً من غيرها، فمصر لا تزال تفرض الفيتو على تمثيل وازن لحماس والجهاد في المجلس، وهي التي تحكمت في القرار الفلسطيني منذ قيام منظمة التحرير الفلسطينية، فضلاً عن أنه مرفوض دولياً، وهذا يجعل إنجاز هذه الانتخابات صعباً أو شبه مستحيل. مع أن الانتخابات إن أدت إلى تمثيل ضعيف وشكلي لحركة حماس في المجلس فستكون أمراً لا بأس به لدى السلطة والقوى الدولية، ولكنها ستكون مرفوضة إذا كان تمثيل الحركة فاعلاً أو وازناً، وهذا سيضع المصالحة رهناً بنتائج الانتخابات!
وقد تتعرض الحركة لمحاولات شق وحدتها الداخلية وإثارة الخلافات في صفوفها بين الضفة وغزة، بمحاولة تحريك المصالح للتنظيم بين الضفة وغزة، ووجود مستويات مختلفة من الشدة واللين في مواقف الحركة تجاه السلطة.
قيادة فلسطينية بديلة
وفي أثناء ذلك؛ سيستمر الاحتلال في تشديد قبضته الأمنية ضد كوادر ونشطاء حماس بشكل يؤدي لإضعافها وتسهيل تمرير مخططات التسوية في المنطقة.
وستجري محاولات لعزل الحركة عن محيطها الإقليمي الداعم وضرب علاقاتها مع كل من قطر وتركيا، وذلك إما بالضغط على هاتين الدولتين وإشغالهما بقضايا إقليمية، أو بجعل الحركة تلجأ إلى أطراف أخرى بالترغيب والترهيب لتحقيق مصالحها. ولا شك في أن ما يجري في المنطقة يؤشر إلى رغبة في تطويع قطر وتركيا وتحجيم أدوارهما، لتمهيد الطريق للتسوية التي تشمل تطبيعاً مع العدوّ قبل البدء في إجراءات التسوية على الأرض؛ حسب تصور اليمين الإسرائيلي الحاكم! وتزامناً مع افتتاح برنامج المصالحة ستزداد محاولات نقل قيادة السلطة من عباس إلى شخص آخر مثل محمد دحلان، الذي يبدو مطواعاً أكثر للشروط الإسرائيلية للتسوية، وأكثر قدرة على مواجهة حماس والتصدي لنفوذها في غزة والضفة، وذلك لإنجاح مخطط تصفية القضية وإضعاف قواها الأساسية المقاوِمة للاحتلال.
ولهذا فإن المصالحة المطلوبة لا تهدف أساساً إلى تحقيق الوحدة الفلسطينية، وإنما جرّ القوى الفاعلة -تحت مبرر الحفاظ على وحدة الساحة- للاندماج في التسوية السياسية التي تريدها إسرائيل وتدعمها أميركا.
وتدرك حماس جيداً هذا المخطط، وستضطر للسير على خط رفيع من التوازنات يتضمن القبول بالمصالحة وفق ضوابط محددة، ويرفض عملية التسوية السياسية بما يحفظ القضية ولا يؤدي إلى نجاح مخطط تصفيتها. وستستعين حماس -في هذه الاستراتيجية- بشعبيتها في الداخل وتحالفاتها الإقليمية، متسلحة بتماسك تنظيمها الداخلي وقوته.
من ناحية ثانية، تستطيع حماس أن تحدّ من نفوذ دحلان وإن كانت قد سمحت له باستعادة دوره في غزة لفك الحصار الذي تفرضه عليها سلطة عباس، كذلك تمتلك الحركة نفوذاً شعبياً لا يستهان به. ومن شأن أي مصالحة أن تلغي الحصار الذي يفرضه الرئيس الفلسطيني على غزة، وأن تضع عباس على محكّ إدارة قطاع غزة المثقل بالمشكلات، وتجعله مسؤولاً عن إنجاح تفاهمات المصالحة، وتضع حداً لاستمرار اتهاماته لحماس بتعطيلها.
إن مستقبل المصالحة يظل مرهوناً برغبة الطرفين وجديتهما واستبعاد المؤثرات الخارجية، بما في ذلك عزل تأثير إسرائيل وتدخلاتها في الوضع الداخلي. وقد راوغ عباس كثيراً في تطبيق بنود المصالحة رغم كثرة الاتفاقات التي وقعت من أجلها وليس آخرها اتفاق 2011، إلا أنه اليوم يقف أمام استحقاق حقيقي بعد أن نزعت حماس منه ذريعة الانقسام.
غير أن ملفات المصالحة -وعلى الأخص ملف الانتخابات في الداخل والخارج- تُشكّل عقبة مهمة أمام استكمال هذا المسار، لأنه يشكل التحدي الحقيقي لنفوذ الطرفين وشعبيتهما (فتح وحماس). أما التحدي الأمني المتمثل في دور الشرطة وإدراج حماس فيها، وسلاح المقاومة؛ فسيظل من العوائق الكبرى أمام إتمام المصالحة.}